|
رؤيـــة
إلــى النظام الاقتصادي الإسلامي
مما
نستخلصه من القرآن الكريم ونهج البلاغة
.JPG)
الدكتور
: ابراهيم عيـسى
بسم الله الرحمن الرحيم
1-
تمهيد:
أتوجه بالشكر الى منظمي المهرجان العالمي التاسع للإمام علي (ع) ، وأخص
بالشكر أيضاً من خصص فقرة تتعلق بالجانب الاقتصادي في علوم الإمام علي
(ع) . ذلك أنه من المألوف عموماً التحدث عن الجوانب الإيمانية
والاجتماعية وغير ذلك من قيم روحية، ويتم تجاهل الجانب المادي ...قبل
الحديث عن رأي الإمام علي (ع) في الاقتصاد ، أود الإشارة إلى أنه يجب
أن لا تنطلق بوصفها مجرد أفكار تناولها مفكر، بل هي رؤية ممن ساهم في
تثبيت أركان الإسلام ونشر الفكر الاسلامي، ومن حملة النهج الاقتصادي
الذي دعا إليه الإسلام، والذي يجب أن يتبناه المسلمون ليبقوا خير أمة
أخرجت للناس .
وبعبارة أخرى ، إن التمعّن في دراسة نهج البلاغة ، لم يبلغ الدرجة التي
نحن عليها في دراسة القرآن الكريم ، وبالتالي فإنه يصعب على الكاتب
أوالباحث ، الإحاطة بالأفكار الواردة في النهج بسهولة ، نظراً لعدم
تبويبه حسب مراحل الدعوة الإسلامية ، مما يجعل الاعتماد على نهج
البلاغة يلاقي بعض الصعوبات في تأمين المعلومات خلال فترة قصيرة . لذلك
وحيث أن نهج البلاغة ،يسير في الفحوى ، على غرار ما جاء في القرآن ،
كونه لا يخالف نهج القرآن ، بل كلاهما يشيران إلى هدف ومعنى واحد، بما
يتناسب مع أوامر الله ونواهيه . وقد أشار ابن أبي الحديد إلى أن كلام
الإمام علي (ع) هو فوق كلام المخلوق ، ودون كلام الخالق .
ذكرنا في الحاشية رقم/ 8/ ، كيف أن سياسة عثمان، اختلفت عن سياسة
أبو بكر وعمر(رض) ، من حيث تأليف القبائل توحيدها .ولكن مسايرة عثمان
للأنفة القبلية كانت سبباً في إحداث الفتنة التي أحدثت شرخاً بين
الارستقراطية القرشية ، والجمهور القبلي ... وبالتالي مقتل عثمان . كان
ذلك تجسيداً مادياً صارخاً لإنهاء المصالح الاجتماعية للأمة ، وبداية
لميلاد الفرق السياسية والمذهبية في تاريخ الإسلام والمسلمين . لقد
كانت الظروف السائدة بعد مقتل عثمان هي : 1- كان القتلة ما زالوا
يُسيطرون على المدينة .2- خيَّمت أجواء الأهواء والصدمة على الجميع .3-
عمَّ الحذر والتريث على مواقف جميع كبار الصحابة .
لهذه الأسباب كان الناس أمام خيارين : الأول : إما أن تتبنى الخيار
التاريخي الذي مارسه أبو بكر وعمر ، ويسعى للحفاظ على الخلافة كمرجعية
أو مركزاً للسلطة وبالتالي مبايعة الإمام علي (ع) .الثاني : السعي لجعل
الخلافة كمؤسسة حكم مستقلة بذاتها ، وممارسة الحكم من أحدى القبائل .
وتجمع المصادر المختلفة، على أنه تمَّ الإجماع في كل الأمصار المختلفة
(ما عدا الشام ) ، على مبايعة ابن عم الرسول (ص).
وقال الإمام عليّ(ع) في مناسبة مقتل عثمان في خطبة له إلى أهل
الكوفة عند مسيره من المدينة إلى البصرة :
من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة جبهة الأنصار
وسنام العرب . أما بعد فإني أخبركم عن أمر عثمان حتى يكون سمعه كعيانه
. إن الناس طغوا عليه ،فكنت رجلاً من المهاجرين أُكِثرُ استِعْتَابَه .
وأُقِلُّ عِتابه . وكان طلحة والزبير أهون في سيرهما فيه الوجيف (سريع
السير). وأرفق حِدائهما العنيف .وكان من عائشة فيه فلتةُ غضب ، فأتيح
له قوم قتلوه . وبايعني الناس غير مستكرهين ولا مجبرين . بل طائعين
مخيّرين . واعلموا أن دار الهجرة (المدينة ) قد قلعت بأهلها وقلعوا بها
، وجاشت جيش المرجل ، وقامت الفتنة على القطب . فأسرعوا إلى أميركم .
وبادروا جهاد عدوكم .إن شاء الله .
لذلك سوف نقتصر الحديث في هذه المرحلة على الأسس الفكرية التي
يعتمد عليها الاقتصاد الاسلامي ... وترك الأمور السياسية الأخرى التي
أدت إلى تشكيل الدولة الأموية ...وغيرها اختصاراً للوقت .
2 – تعريف النظام الاقتصادي:
قبل الحديث عن النظام الاقتصادي عند الإمام علي (ع) ، يستحسن الاشارة
الى ما تعنيه كلمة نظام اقتصادي . فالاقتصاد هو تعبير يعني: العوامل
التي يتوفر بها رأس المال ، ويحدد أسلوب صرفه أو استثماره ، سواء في
عملية الانتاج الزراعي ، أو الانتاج الصناعي ، أو في الوسائل الخدمية
...وبالتالي في أسلوب العمل التجاري وتحقيق المردود من ربح وخسارة
لوحدة رأس المال ...أي أنه يشمل جميع الأفراد والفعاليات الاجتماعية
التي لها صلة بالانتاج والتوزيع والاستهلاك والرخاء.
قد تكون هذه التعابير ، شاملة وغير واضحة ، لذلك نقول إن عوامل
النمو الاقتصادي هي : الأرض ومواردها - قوة العمل - رأس المال.
إن طريقة تنظيم القواعد المستخدمة لاستثمارها، تمثل النظام في أية
دولة .فالدولة إما أن تسمح باستخدام هذه العوامل ، بحرية كاملة (النظام
الرأسمالي ) ، على غرار المرحلة البدائية ، حيث يعمل الإنسان كيف يشاء
... أو أن تضع له الدولة بعض القيود ، كما هو الحال في الأنظمة
الديمقراطية والدينية ، أو أن تضع قيوداً كثيرة ، كما نوضحه فيمايلي:
أ- من الناحية التاريخية نلاحظ بأن النظام الرأسمالي،
يتميز بحرية التملك لهذه العوامل، سواء على المستوى الفردي أو العام،
كما ذكرنافي الحاشية رقم 3 .هذه الحرية ، ساعدت رجال الأعمال ، على أن
يمتد نفوذهم، وبالتالي نفوذ الشركات التي شكّلوها على مستوى الدولة ،
ثم على مستوى الدول المجاورة , ثم على مستوى العالم. فالنظام
الاقتصادي الرأسمالي، تطور من مستوى الاقتصاد الفردي، الى مستوى
الشركات أو إقتصاد الدولة الرأسمالية، إلى مستوى التبادل التجاري ، إلى
مستوى الشركات المتعددة الجنسيات ، إلى العولمة ...
ب- قابل هذا النظام ،النظام الشيوعي الذي قام على مبدأ منع
الملكية الفردية ، إلا بحدود ضيّقة جداً، وانشاء قطاع عام واسع تديره
الدولة.. وبالتالي استخدام عوامل الانتاج لصالح المجتمع بكامله، على
مستوى الاتحاد السوفييتي أولاً ثم على مستوى عدد كبير من الدول .
جـ- النظام الاشتراكي : يتميَّز هذا النظام بتحديد الملكية الفردية ،
وإقامة قطاع اشتراكي على مستوى الدولة . وبعبارة أخرى، يعتمد النمط
الاشتراكي على التطور التدريجي لكل من القوى المنتجة ووسائل الانتاج ،
وخلق الوعي العام والادراك الواسع للشعور بالمسؤولية الاجتماعية ، تجاه
المشاكل العامة ، بما يساعد على منع قيام الصراعات والتحديات الطبقية
والفئوية وبذلك تكون السيادة إلى الطبقة العاملة لتحقيق العدالة
والكفاية.
د- النظام الديمقراطي : ويتمثل بمشاركة جميع الفئات والطبقات والأحزاب
الدينية والسياسية في إدارة الدولة ، سواء على مستوى السلطة التنفيذية
أو مجلس النواب .
3-المال والاقتصاد في حياة الإمام (ع):
إن إدارة الاقتصاد الاسلامي ، عند الإمام ، تنطلق من الإيمان
بالله والعمل بما أمر به، وترك ما نهى عنه ، حيث لا يصلح الاجتهاد إلا
فيما لم يرد به نص. لذلك فإن الملكية الفردية هي الأساس ، وإن المسلم
عنده حبلين يتمسك بهما . الأول هو: أن تكون عنده القناعة بأن يتعرف على
تعاليم الاسلام ويسعى لتطبيقها . لأن الدعوة الإسلامية هدفت إلى أن
يكون الإيمان راسخاً في نفس كل مسلم ، وليس فقط لدى السلطة ...الحبل
الثاني : هو طاعة الحاكم بما لا يخالف الأوامر والنواهي ، وبذلك فإن
الإيمان يُعِّبر عن الخضوع لله ورسوله ولأولي الأمر، وكأنه بمثابة شكل
من أشكال الاسترقاق والاستعباد لله ، فالمسلم يقرّ بوجوب تطبيقها
باختياره ، وإذا حدث خطأ فإنه يطالب بإصلاحه (حاشية 9) ...وذلك تطبيقاَ
لقوله تعالى :ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ...قال
خالد محمد خالد في كتابه خلفاء الرسول : إن سيرة ابن أبي طالب ،
لناهضةً في مجال خلودها العظيم ، تُلقي على الجنس البشري في كل أزمانه
وبلدانه ، نبأ الولاء العجيب للحق . فهو :
ولاء الطفل، وولاء الشاب ، وولاء الشيخ ، وولاء المقاتل ، وولاء الناس
.
ولاء المواطن ، وولاء الحاكم ، ولاءً ما تجدُ بينه في شتى مراحل العمر
، وتباين الأوضاع من تفاوت ، ذلك أنه ولاءٌ مطبوع ، لا ولاءٌ مصنوع ،
ولاء الفطرة ، لا ولاء الإحتراف . ولاء اليقين ، لا ولاء النقمة .
رُويَ عن جعفر بن محمد (ع) قال : ما اعتلج على عليّ (ع) أمران في ذات
الله إلا أخذ بأشدهما ، ولقد علمتم يا أهل الكوفة أنه كان يأكل عندكم
من ماله بالمدينة، وإن كان ليأخذ السويق فيجعله في جراب ويختم عليه
مخافة أن يزاد عليه من غيره .
وقد أوضح الإمام علي (ع) ذلك في خطبة له فقال : ولو كانت الأنبياء
أهل قوة لا ترام ، وعزّة لا تضام ، وملك تمتد نحوه أعناق الرجال ،
وتُشدّ إليه عَقَد عُقد الرحال ، لكان ذلك أهون على الخلق في الاعتبار
. وأبعد لهم من الاستكبار ، ولآمنوا عن رهبة قاهرة لهم ، أو رغبة مائلة
بهم . فكانت السيّات مشتركة والحسنات مقتسمة ، ولكن الله سبحانه، أراد
أن يكون الإتِّباع لرسله والتصديق بهم والخشوع لوجهه ، والاستكانة
لأمره، والاستسلام لطاعته ، أموراً له خاصة لا يشوبها من غيرها شائبة
... وقد أوضح ذلك في خطبة أخرى بقوله: فإن الله أخذ عليكم الحجة، وبين
لكم محابَّه من الأعمال ، ومكارهه منها، لتتبعوا هذه وتجتنبوا هذه ،
فإن رسول الله (ص) كان يقول : إن الجنة حُفَّت بالمكاره ، وإن النار
حُفَّت بالشهوات ... وقال في خطبة له :إن أفضل ما توسل به
المتوسلون إلى الله سبحانه وتعالى الإيمان به وبرسوله والجهاد في سبيله
فإنه ذروة الإسلام . وكلمة الإخلاص فإنها الفطرة . وإقامُ الصلاة.فإنها
المللّة وإيتاء الزكاة فإنها فريضة واجبة وصوم شهر رمضان فإنه جُنَّةٌ
من العقاب . وحجُّا لبيت واعتماره . فإنهما ينفيان الفقر ويرحضان الذنب
. وصلة الرحم فإنها مثراةٌ في المال ومنسأةٌ في الأجل . وصدقة السر
فإنها تُكفر الخطيئة وصدقة العلانية فإنها تدفع ميتة السوء وصنائع
المعروف فإنها تقي مصارع الهوان ...وكان يقول يعيش البخيل في الدنيا
عيش الفقراء ، ويُحاسب حساب الأغنياء...وإنه لا طاعة لمخلوق في معصية
الخالق . وقال أيضاً : الوفاء لأهل الغدر، غدرٌ عند الله ، والغدر بأهل
الغدر وفاءٌ عند الله .
4-الاقتصاد : مسؤولية الدولة والمجتمع :
قال رسول الله (ص) بعد أن أعطى مفتاح الكعبة الى عثمان بن طلحة قال له
: هاك مفتاحك يا عثمان اليوم : يوم بر ووفاء، والتفت إلى عليّ(ع) وقال:
أني أعطيكم ما ترْزؤون ومالا ترزؤون ...أي ان حظكم في هذه الحياة
الدنيا ، المسؤولية والشظف ... لا شيء من ذلك ، ولا شيء فوق ذلك .
لقد سعى أبو سفيان إلى الإمام عليّ(ع)، أكثر من مرة يحضُّه على
الاستمساك بحقه في الخلافة ويقول : إن شئتُ لأملأنها عليهم خيلاً
ورجلاً، ولأسدنها عليهم من أقطارها ... فقال له : يا أبا حنظلة !!إنك
تدعونا لأمر ليس من أخلاقنا ولا من شيمنا ...ولقد سددت دونها الباب ،
وطويت عنه كشحا.
كان يقول (ع) : إن الدولة لا تُعطي المسلمين، مثوبة دينهم وثمن
أيمانهم ، فمثوبة الدين والإيمان عند الله ...إنما تعطيهم حاجتهم
ليعيشوا ، ومن ثم فلا داعي للتمييز بينهم أو التفضيل . كما أن التفاوت
في العطاء من شأنه أن يخلق فرص تراكم الثروات ،لدى بعض الأفراد، مما
شكّل مع الزمن فتنة في الدين وفساد في الدنيا ...
وحتى يُبيِّن الإمام (ع) ، أسلوب وكيفيّة التعامل بين أفراد
المجتمع ، و دورالسلطة أو الدولة، فقد وجه الناس: بأن لا يظلم الناس
بعضهم بعضا، لأن الظلم لا يُترك حتى يقتصُّ المظلوم من الظَّالم، أو
يعفو عنه . فقد نهاهم بقوله (ع) : فإياكم والتلّون في دين الله ، فإن
جماعة فيما تكرهون من الحق ، خير من فُرقة فيما ُتحُّبون من الباطل ،
وإن الله سبحانه لم يعطِ أحداً بفرقة خيراً ممن مضى ولا ممن بقي . يا
أيها الناس طوبى لمن يشغله عيبه عن عيوب الناس ، وطوبى لمن لزم بيته
وأكل قُوتَه واشتغل بطاعة ربه ، وبكى على خطيئته . فكان من نفسه في شغل
والناس منه في راحة ...
هذا التوجيه يوضّح الفرق بين نمط التوجّه الاسلامي ، عن النمط
الرأسمالي، كون الأخير يعتمد على مبدأ عامل الربح والمنافسة ، كمحرك
رئيسي ، لنشاط الأفراد في عملية تنظيم الانتاج والتوزيع...بينما يعتمد
النمط الإسلامي، على مبدأ تأمين الحد المقبول من المعيشة ، كما يعتمد
على مبدأ تقديم الزكاة والصدقات، لتأمين هذه الحاجات . حضّ الإمام،
الناس على اتباع طريق الهدى ، وأشار إلى أن عدم التناهي عن ارتكاب
الخطأ يكون سبباً للقصاص الشامل لقوله (ع): أيها الناس لا تستوحشوا في
طريق الهدى لقلّة أهله ، فإن الناس اجتمعوا على مائدة شبعها قصير ،
وجوعها طويل . أيها الناس إنما يجمع الناس الرضا والسخط ، وإنما عقر
ناقة ثمود، رجل واحد فعمَّهم الله بالعذاب لما عموّه بالرضا ، فقال
سبحانه وتعالى : فعقروها فأصبحوا نادمين ... فما كان إلا أن خارت أرضهم
بالخسفة، خوار السّكة المحماة في الأرض الخوارة ...وقال (ع) : عليكم
بتقوى الله ، وبالعدل على الصديق والعدو .
وعلى أية حال ، وحتى لا ننظر إلى هذه الأقوال بأنها مجرد مواعظ يستحسن
أن نبرز سياسة الإمام لترسيخ النظام الإقتصادي , كمايلي :
آ-
سياسة الضغط من فوق :
1- تعيين الولاة : عندما استلم الخلافة كان أول إجراء قام
به الإمام علي (ع) ، هو عزل جميع الولاة الذين ولاهم عثمان عن ولايتهم
في الأمصار ، فالاختلافات التي كانت بين علي وعثمان ، كانت تمسّ مباشرة
المحتويات الأساسية للسياسة ونمط إدراته لشؤون الأمة . فالروايات تشير
عموماً إلى أن الصحابة الكبار الثلاثة ، علي وعمر وابو بكر ، كانوا
يقفون صفاً واحداً ، ويمثلون نمطاً فكرياً ودينياً متماثلاً في النهج
العام ،وإن كان مختلف في التفاصيل. لقد كان نهجهم يهدف إلى ضبط
القضايا والشؤون العامة لمصالح الأمة ، وما تُمثِّل هذه المصالح من قيم
في السلوك والتنفيذ. هذه القيم ، لم تكن عند عامة العرب آنذاك تمثل
جزءاً بنيوياً للتشكيلة الاجتماعية القبلية السائدة ، لا في التنفيذ
ولا في الأخلاق .والمعلوم، هو أن المعارضة لعثمان كانت مسألة مبدئية ،
على مثال عزل معاوية عن ولاية الشام والوليد بن عقبة... لأنهم كانوا
يسعون لاستغلال مناصبهم لمنافعهم الخاصة . فالنزعة العامة للولاة كانت
للإثراء ، والتسلط على الناس،حيث كان مرئياً بوضوح أيام عثمان
...وكانت سياسة الإمام علي (ع) تعتمد على السعي، من خلال الضغط من فوق،
لمواجهة هذه السلوكيات ومحاربتها ...على غرار ما كانت عليه سياسة عمر ،
من شدة أيام خلافته . فالكتب والرسائل التي كان يوجهها إلى عماله، في
مختلف المناسبات والأوقات المختلفة، كانت واضحة من حيث التعنيف
والتهديد والوعيد ، ولغة الوعظ والتهذيب أيضاً.
والمثال على ذلك رسالته الى مصقلة بن هبيرة ، عامله على ازدشير، حيث
سمع عنه بأنه يُفرِّق ويهب الأموال ، فوجه إليه الكتاب الآتي : أما بعد
، فقد بلغني عنك أمرُ ، اكبرت أن أصدِّقه ، إنك تُقَسِّم في المسلمين،
في قومك الشَّعراء، كما تُقسَّم الجوز . فوالذي فلق الحبة ، وبرأالنسمة
، لأفتشنَّ عن ذلك تفتيشاً شافياً ، فإن وجدته حقاً لتجدنَّ بنفسك عليّ
هوانا ، فلا تكوننّ من الخاسرين أعملاً الذين ضلّ سعيهم في الحياة
الدنيا ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .
وكتب إلى المنذر بن الجارود ، عامله على اصطخر : أما بعد فإن صَلاح
أبيك غرني منك ، فإذا أنت لم تدع انقيادا لهواك أندى ذلك بك . بلغني
أنك تدع عملك كثيرا، وتخرج لاهبا بمنبرها تطلب الصيد ، وتلعب بالكلاب ،
وأقسم لئن كان ذلك حقا ، لنثيبنَّك فعلك ، وجاهل أهلك خير منك، فأقبل
إلى حين تنظر في كتابي والسلام .(يروى أنه عندما أقبل المنذر ، عزله
وأغرمه ثلاثين ألف درهم ) .
وكتب إلى كعب بن مالك : أما بعد فاستخلف على عملك واخرج في طائفة من
أصحابك ، حتى تمرّ بأرض كورة السوداء ، فتسأل عن عمالي ، وتنظر في
سيرتهم فيما بين دجلة والعُذيب ، ثم ارجع البهقُباذات فتولّ معونتها ،
واعمل بطاعة الله فيما ولاَّك منها ، واعلم ان كل عمل ابن آدم محفوظ
عليه مجزي به ، فاصنع خيراً صنع الله يناديك خيرا ، واعلمني الصدق فيما
صنعت والسلام ...
وكتب أبو الأسود الدؤولي إلى عليّ (ع) وكان خليفته عبد الله بن عباس
بالبصرة ، يُعلمه ان عبد الله أخذ من بيت المال عشرة آلاف درهم . فكتب
عليّ (ع) إلى ابن عباس يأمره بردِّها ، فامتنع . فكتب إليه ، يقسم
بالله لتردنّها . فلما ردّها ابن عباس ، كتب إليه : أما بعد فإن المرء
يسرّه درك ما لم يكن ليفوته ، ويسوءه ما لم يكن ليدركه ، فما أتاك من
الدنيا لا تكثر به فرحا ، وما فاتك منها فلا تكثر جزعا ، واجعل همَّك
لما بعد الموت والسلام .
هذه النماذج من المراسلات، تشير إلى الطابع التاريخي الذي كان عليه
الإمام علي (ع) ، وتُعبِّر عن نمطه الاقتصادي في إدارة الاقتصاد ،
وموقف الولاة في عملية الجباية، وأصول استخدام المال لاشباع الحاجات
الأساسية للجميع وفقاً للصالح العام ، وليس لتكديس الثروة والجاه في
أيدي التجار أو الولاة . كما تدل على ما يجب أن يكون عليه الحاكم من
موضوعية في توزيع الثروة حسب الاستحقاق ، من حيث اتباعه سياسة الضغط من
فوق لمواجهة أي انحراف، سواء بالمراقبة الذاتية المباشرة من الحاكم، أو
بواسطة من يثق بهم ،لمراقبة الولاة .
هذه السياسة كانت سبباً الى هروب الكثير من عماله (ولاته) ولجوئهم
إلى خصمه معاوية ، أمثال النعمان بن العجلان الذي كان عاملا على
البحرين من قبل عليّ ، الذي جمع كل ما في بيت المال ولحق بمعاوية . وإن
كثيراً من أهل المدينة كانوا يتسللون هاربين من عليّ إلى معاوية . كتب
إلى عامله على المدينة سهيل بن حنيف الأنصاري : أما بعد ، فقد بلغني
أنّ رجالا من قِبَلِك يتسللون إلى معاوية ، فلا تأسف على ما يفوتك من
عَوَدهم ، ويذهب عنك من قَوَدِهم ...أنما هم أهل دنيا مقبلون عليها
ومهبطون إليها...إنهم والله لم ينفروا من جور ، ولم يلحقوا بعدل.
ب
- الدين كعقيدة و سياسة :
يستحسن الحديث عن مفهوم الدين كعقيدة ، و بين مفهوم الدين كسياسة أو
كنمط يقوم بتهيئة الظروف المناسبة ، والعمل على توجيه وحضّ الناس
للتوفيق بين مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية. لذلك وحتى لا تكون
المرونة السياسية والمسايرة للمشاعر العامة سبباً في التماهي والبعد عن
الأصول ، فإن هذا المفهوم السياسي في التوفيق بين الاتجاهين يستوجب
وجود راع لا يبتغي مالاً ، لأنه لا يطلب أجراً من الناس . كما قال
تعالى : أن أجري إلا على الله وأُمرت أن أكون من المسلمين .(32/10) .
مع حاشية تستوعب متطلبات وأهداف الحاكم بما يتناسب وأهداف الدين. وبعبارة
أخرى ، يمكن تمثيل ذلك بالأسلوب الذي تتبعه الدول الصناعية الكبرى التي
تضع لنفسها استراتيجية بعيدة المدى ، سواء في أسلوب انتخاب الرئيس
والحاشية حوله ، أو في المؤسسات التنفيذية ...التي تعمل جميعاً في إطار
الهدف المحدّد لكلّ مرحلة من مراحل تنفيذ هذه الاستراتيجية ...
وبالتالي تكون السياسة ,عامل رئيسي في تحقيق الهدف...أي أنها تكون مع
الناس أقرب الى الصلاح وأبعد عن الفساد ، مما لم يضعه الرسول (ص) ، أو
لم ينزل به وحي .
المعروف بأن الإسلام يعني الانقياد لله تعالى ، والعمل بما جاء به من
شرائع وأحكام . فالإنسان إذا أسلم لله تعالى ، فإنه ينقاد طائعاً
وباختياره ، لما ورد عن الله سبحانه وتعالى من حكم تكويني أو تشريعي .
هذا القبول له مراتب متعددة ،يمكن اختصارها بمرتبة الإسلام ، ومرتبة
الإيمان .
فكلمة إسلام : يمكن أن تفسر أولاً ، بمعنى التسليم للأمر الواقع ،
وقبوله ما دامت سياسة الضغط من فوق موجودة ، لقوله تعالى : قالت
الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا . كما يعني ثانياً، بأن
الإسلام هو مرحلة أولى من مراحل الإيمان ، لقوله تعالى : الدين عند
الله هو الإسلام . فالدين هو العقيدة ، أي أنه مصدر أساسي تنبع منه روح
وحب الجهاد والدفاع عما يؤمن به .
فالمؤمنون
، إن كانوا حقاً مؤمنين ، عليهم أن يكونوا أقوياء بإيمانهم ويداً واحدةً
(كالجسد )،في تجمعهم ، متضامنين مع بعضهم ورحماء ، وبنفس الوقت ، أشداء
على الكفار يبحثون دائماً عن منفعة مشتركة ، يقدمها بعضهم لبعض ، لمنع
التجزئة والتفرقة . لقوله تعالى : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من
دون المؤمنين ، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم
تقاة ،ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير . (28/3).
وجاء في خطبة له، يقول في الجماعة والفرقة : فبعث الله محمداً (ص)
بالحقّ ,ليخرج عباده من عبادة الأوثان الى عبادته ، ومن طاعة الشيطان
الى طاعة الله ، بقرآن قد بيَّنه وأحكمه ، لِيعلَم العباد ربهم إذ
جهلوه ، ولِيقرّوا به إذ جحدوه . وليثبتوه بعد إذ أنكروه ، فتجلّى لهم
سبحانه في كتابه من غير أن يكونوا رأوه ، بما أراهم من قدرته ، وخوّفهم
من سطوته ...إلى قوله : وإنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس فيه شيء
أخفى من الحق ، ولا أظهر من الباطل ، ولا أكثر من الكذب على الله
ورسوله ...إلى قوله : فقد نبذ الكتاب حملتُه ، وتناساه حفظته ، فالكتاب
يومئذ وأهله طريدان منفيان وصاحبان مصطحبان في طريق واحد لا يؤويهما
مُؤوٍ ...إلى قوله : لأن الضلالة لا توافق الهدى وإن اجتمعا ، فاجتمع
القوم على الفرقة ، وافترقوا عن الجماعة ، كأنهم أئمة الكتاب ، وليس
الكتاب إمامهم ، فلم يبق عندهم منه إلا اسمه ، ولا يعرفون إلا خطه
وزَبَره .
والملاحظة التي يجب الإشارة إليها، هي أن كلمة دنيا ، الواردة في
قوله ،فإنها تعني بالمصطلح المتداول حالياً، الحرية الاقتصادية أو
النمط الرأسمالي، الذي لا يتقيّد بحدود من القيم أو بقواعد أخلاقية ،
بل هو نظام ، لا حدود معه لقوّة القويّ ، إلا قوَّة من هو أقوى منه ...
فهو نظام يسير خارجاً عن كل قيد ... بدليل قوله : إنهم لم ينفروا من
جور ولم يلحقوا بعدل .
لذلك فإن رؤية الامام علي (ع) إلى النظام الاقتصادي ، وبالتالي إلى
الوالي أو الإداري الذي يدير شؤون الاقتصاد ، بأن عمله هو تفويض من
الله، وتوكيل ممن يأتمر عليهم لتسيير الأمور ، من أجل قضاء المعاملات ,
تبعاً لمصالح الجماعة، وإدارتها ضمن القواعد المحددة . يؤكد ذلك كتابه
إلى الأشعث بن قيس عامله على اذربيجان، جاء فيه : إن عَمَلك ليس لك
بِطُعمة ، ولكنه في عُنقك أمانة ، وأنت مُسْترعي لمن فوقك ، ليس لك أن
تَقْتات في رعيَّته ، ولا تخاطر إلا بوثيقة ، وفي يدك مال الله عز وجل
، وأنت من خُزَّانه حتى تُسلّمه إليَّ ،ولعلِّي أن لا أكون شر ولاتك لك
والسلام .هذا التفسير لكلمة دنيا (كسلوك في الحياة بدون قيود )، يختلف
عن تفسير الدنيا التي هي مجاز ودار مرور . كما سنوضحه في الفقرة
التالية:ص14
يقول بعض علماء الاجتماع: الاسلام، لا يعرف موضوع الطبقة الاقتصادية
أو الاجتماعية، وإن كلمة طبقة في العربية مقتبسة من اللغة الآكادية
بمعنى الشرائح أو التدرج في التراتب . فالإسلام في بدايته كان واعياً
لنوع من تصنيف الفئات الاجتماعية في أجزاء متراتبة . هذا التراتب يبدو
وكأنه ناتج عن تراتب طبيعي- اجتماعي ، فيما يشغله الناس من أعمال منها
مكتسب منذ الولادة ، مع أن المجتمع في القرون الوسطى كان مجتمعاً بلا
طبقات . فالقاعدة أو القانون الاسلامي تنطلق من نظرية : الكفاءة
الشرعية الطبيعية ، كفاءة المسلم البالغ ذوالعقل الصحيح .وبذلك فإن
المجتمع الاسلامي (من حيث المبدأ)، يشتمل على جمهور من الناس متساويين
ومتآخين أمام الله . قال النبي (ص): لا فضل لعربي على أعجمي إلا
بالتقوى .ولكن ذلك لا يمنع من وجود درجات ، لأن الإنسان عندما يتفكر
بماله ومال غيره ، فإنه يضع نفسه في رتبة ، ويجد آخرين في موقع أرفع من
رتبته ، كما يجد من هو مثله أو في موقع أدنى ...
هذا التصنيف العلمي أو المعرّف للفئات، يُشير إلى أنه على من هو
في المرتبة الأعلى أن يُعلّي من هو في المرتبة الأدنى إلى مستواها ،
ويُحاول الوصول الى شيء من الرفعة تجاه الأقران ...كذلك فإن الحد
الأدنى لكل مرتبة هو أن تتجنّب الهبوط الى رتبة من هم أدنى منها .
فالتراتب في الاحترام ، يحافظ على استمراره ، وعلى خلق مجتمع متكامل ،
دون أن يقابله تراتب في السلطة أو في الثروة كونه مبنيّاً على الإيمان
(أي العاطفة الدينية)...وتزداد فاعلية هذا التراتب ،كلما وجدت مرتبة
ما، وسيلة من وسائل السلطة الثلاث : الملكية العقارية ، والقوة
العسكرية ، والمال ... فإذا كان الانتماء إلى شريحة تؤمّن فوائد
اقتصادية تحت إكراه القوة ، يمكن أن يَضِيع أيضاً تحت إكراه القوة.
وعليه فان مفهوم المجتمع الاسلامي كما دعا إليه الاسلام : هو مجتمع بلا
طبقات ، ويتمثل بفئات اجتماعية وظيفية هم العوام والخواص وخواص الخواص
... حيث يقوم الخواص أو العلماء ، بدور الدعاة والعمل على إيجاد الوعي
الذي يدعو إليه الإسلام ، كما يعبّر عنه الدعاة ، رغم وجود وسائل
السلطة .
5-معالجة أسباب الفقر :
قال الإمام عليّ (ع) : والله لئن أبيت على حسك السعدان مسهداً،
وأجر في الأغلال مصفدا ، أحب إليَّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة
ظالماً لبعض عباده أو غاصباً لشيء من الحطام ، وكيف أظلم أحداً ، لنفس
يُسرع إلى الليل قفولها ، ويطول في الثرى حلولها .
قد يتراءى للناس بأن حياة التقشف والزهد التي دعا إليها الإمام
عليّ(ع) هي الأساس في حياة المسلمين ، دون أن يربطوا ذلك بمفهوم التقيد
بالأوامر والنواهي . لذلك فقد ركّز المترفون من الرأسماليين والماديين
في إعلامهم ، على هذه الفكرة منذ أواخر الامبراطورية العثمانية،
ليجعلوا المسلمين متشائمين من النمط الاسلامي... هذا التشاؤم يبدو من
ناحيتين : الأولى : تجميد انتشار الدعوة وتهميشها . الثانية : إبقاء
المجتمع الإسلامي بحالة كبيرة من التخلف الفكري والاقتصادي .
ذكرنا سابقاً ، بأن النمط الرأسمالي أو سياسة القطب الواحد في العالم
(حاشية رقم 4) ، يمثل النمط الإقطاعي ونظام الرق ، وإن اختلفت وسائل
التنفيذ حيث يسيطر القويُّ على الضعيف ...بغض النظر عن القيم الإنسانية
أو النمط الديمقراطي الذي يدعُون إليه نظرياً، دون تطبيق . وبنفس الوقت
يتبنى الرأسماليون نظرية (مالتوس) ، التي ترى بأن زيادة عدد السكان ،
تشكل شبحاً مخيفاً للبشرية ، وإنه لا بد من انقاص معدل النمو السكاني .
هذه النظرية كانت سبباً لإفناء قبائل الهنود الحمر في المكسيك وأمريكا
الجنوبية ...وحالة الجمود السكاني في أوروبا منذ أوائل القرن العشرين
... كذلك كانت حركة الاستعمار الأروبي التي سيطرت على أكثر من 80% من
اليابسة ، وكيف أن الولايات المتحدة تقوم حالياً باسم الديموقراطية ،
للسيطرة على العالم بدلاً من أوروبا ، وخاصة منذ النصف الثاني من القرن
العشرين ، بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية ، حيث قتلت وشردت ما
يربو على (100) مليون نسمة من أوروبا وإفريقيا وآسيا ... عدا عن حالة
الفقر والجوع في معظم الدول الآسيوية والإفريقية ... والتي تشمل غالبية
السكان .
إن غياب الثقافة الإسلامية عن العالم ، وانتشار المذاهب المادية
(كما ذكرنا في الحاشيــة رقم 3), جعل مفهوم الدولة الإسلامية ، يأخذ
مفهوم السيطرة والتسلط من قبل فئة من المجتمع على باقي السكان،
وبالتالي عدم كفاية الإنتاج لاشباع حاجات الانسان ... بل ساهمت في خلق
وتمويل نخبة من الرأسماليين باسم الشركات المتعددة الجنسيات تتراكم
لديها الثروات ، وتُسيّر بها النخب السياسية والثقافية في العالم
الإسلامي...لذلك نرى ضرورة توضيح معنى الزهد في الدنيا عند الإمام علي
(ع) ، والذي يعني عدم تجاوز القيم التي أوجبها الله سبحانه .
1-
معنى كلمة الدنيا :
قال الإمام عليّ (ع) : الدنيا دار مجاز، والآخرة دار قرار ، فخذوا
من ممرّكم لمقركم ، ولا تهتكوا أستاركم ، عند من يعلم أسراركم ،
واخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل أن تخرج أبدانكم .ففيها اختبرتم ،
ولغيرها خلقتم ، إن المرء إذ هلك قال الناس ما ترك ، وقالت الملائكة ما
قدم ،لله آباؤكم فقدموا بعضاً يكن لكم ، ولا تخلِفوا كلاًّ ، فيكون
فرضاً عليكم ....وقال في خطبة له : واعلموا أن عباد الله المستحفظين
علمه . يصونون مصونه ويفجرّون عيونه . يتواصلون بالولاية . ويتلاقون
بالمحبة ...وقال أحدهم : من ازدادت معرفته بالله ازدادت سكينته ، لأن
حصول الهيبة من الله من إمارات المعرفة . فمن عرف الله: انقطع وخرس
وانقمع عن كل مخالفة لأوامر الله . قال تعالى : ألا إن أولياء الله لا
خوف عليهم ولا هم يحزنون . وقال النبي (ص) : ما تقرب العبد إليّ بمثل
أداء ما فرضت عليه ... وُسميَّ الولي ولياً ، لأن أفعاله توالت على
الموافقة ، ولا يرغب في شيء من الدنيا ...وهكذا ، فإن كلمة دنيا لها
عموماً معنيين:
1- الانفلات ، وعدم حب التقيَّد بالأوامر. قال تعالى : وما الحياة
الدنيا إلا متاع الغرور .(185/3 ) . كما هي الحال عند الرأسماليين
وأصحاب النفوذ في النظام الرأسمالي . فالله سبحانه أرسل الرسل
والأنبياء مبشرين ومنذرين، لِيعلّم الناس كيف يكبحوا جموحهم نحو الفساد
، وليزدادوا ارتقاء وتعاونا وصفاء . فمن توجّه لأن يتقيد بالأوامر
والنواهي ، فإن درجة توجهه تُحدِّد درجة تركه للدنيا ، أي التزامه
بالأوامر والنواهي ، وفيما عدا ذلك يكون متعلقاً بالدنيا ... وهذا ما
يكرهه الإمام علي (ع) ، لذلك وصفها بقوله : دار بالبلاء محفوفة ،
وبالغدر معروفة ، لا تدوم أحوالها ، ولا يسلم نزَّالها .
2- عند الإمام عليّ (ع) : الدنيا تعني التقيد بالأوامر والنواهي ، بما
يُعبِّر عن صيانة المصون، وتفجير عيونه، التي تعبّر عن المعرفة
المتزايدة لمغزى الأوامر والنواهي . فاتّباع الأوامر والنواهي, يجب أن
يرافقه الولاء والمحبة لله ، وبالتالي معرفة الطريق المستقيم في عبادة
الله، التي لا تتمثل فقط بإقامة الفرائض والأدعية والتلاوة ... وإنما
يجب أن يرافقها، تمثيل ما تدعو إليه من أقوال ، في سلوك الإنسان العفوي
أو الإرادي ... وبما يتناسب مع عملية القرب من الله .قال تعالى : قُل
من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قُل هي للذين
آمنوا في الحياة الدنيا .(130/3).
وجاء في خطبة له :إن أفضل ما توسّل به المتوسلون إلى الله سبحانه
وتعالى، الإيمان به وبرسوله، والجهاد في سبيله فإنه ذروة الإسلام .
وكلمة الإخلاص فإنها الفِطرة . وإقام الصلاة . فإنها المِلّة وإيتاء
الزكاة فإنها فريضةٌ واجبةٌ، وصوم شهر رمضان فإنه جُنَّةٌ من العقاب .
وحجُّ البيت واعتماره . فإنهما ينفيان الفقر وَيرْحَضَان الذنب . وصلة
الرحم, فإنها مثراة في المال ومنسأة في الأجل . وصدقة السر فإنها
تُكفِّر الخطيئة، وصدقة العلانية فإنها تدفع ميتة السوء، وصنائع
المعروف، فإنها تقي مصارع الهوان .
وقال في خطبة أخرى : رحم الله امرأً سمع حكماً فوعى . ودُعِيَ إلى
رشاد فدنا . وأخذ بحجزة هادٍ فنجا . راقب ربه وخاف ذنبه .
فالسلوك العفوي هو ترجمة لدرجة الإيمان، عند الإنسان بحواسه
الباطنية المعروفة بالذكر ، الفكر ، العقل، الوهم، الخيال ... فما دام
الخيال والوهم أو الظن، يُسيطران على الإنسان، فهذا يشير إلى أن درجة
الوعي والإدراك بسيطة ، وتعلقه بالدنيا أكبر. لذلك فرض الله على
الإنسان التوبة . فالتوبة يجب أن لا تقتصر فقط على الاعتراف بالخطأ، بل
توجب أيضاً أن لا يتكرر ، لقوله تعالى : فمن تاب وآمن وعمل صالحاً فإنه
يتوب إلى الله متابا .(71/25) .
ب-الإسلام وإشباع الحاجات :
قال في خطبة له : تواضع الأغنياء للفقراء ، طلباً لما عند الله ،
وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء ،إتكالاً على الله سبحانه .وقال :
لو تمثل لي الفقر رجلاً لقتلته . وقال : كاد الفقر أن يكون كفراً .
فالنظرية الإسلامية ترى بأن الله خلق الكون وبه من الثروات ما يكفي
الناس جميعا ليعيشوا بمستوى يؤمن اشباع الحاجات الإنسانية لقوله تعالى
: الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من
الثمرات رزقاً لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ، وسخر لكم
الأنهار . وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار .
وأتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوانعمة الله لا تحصوها ، إن الإنسان
لظلوم كفار .(34/14) .
فالله سبحانه هيَّأ كلّ شيء للإنسان ، على شرط العمل لاستغلال
الموارد الطبيعية واستخدام الوسائل المناسبة للانتاج ، وتوزيعه كل حسب
سعيه واستحقاقه ،كما ندّد بالمرابين والمنافقين والمختلسين حتى لا تربو
فئة أو جماعة على حساب المجتمع ، لقوله تعالى : ما أفاء الله على رسوله
من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل
، كي لا يكون دُوَلة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما
نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب .(7/59) .
فالعمل إذن هو مقياس للأجر ، لذلك قال رسول الله (ص) : ومن أحيا
أرضاً ميتةً فهي له ، وليس لعرق ظالم ... كما قال (ص) : من كانت له أرض
فليزرعها . فإن لم يستطع أن يزرعها، وعجز عنها فليمنحها أو أن يؤجرها
... كذلك نهى الرسول (ص) عن تلقي الركبان وعن المسترسل وندد بالاحتكار
والمحتكرين وقال : لا تلقوا الركبان ... وقال : الحالب مرزوق والمحتكر
محروم ... لذلك فإن التجارة التي يرتضيها الإسلام، هي التي تكون حلقة
من حلقات الانتاج ، لا حلقة من حلقات النّهب والاحتكار ، كما وضع
شروطاً متعددة تقضي بعدم أكل أموال الناس بالباطل ... كما دعى إلى
اعتبار الثروة العامة هي ملك عام للمجتمع ، ودعى الناس إلى إشباع
حاجاتهم، دون إسراف أو نقص . لقوله تعالى : والذين إذا أنفقوا لم
يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما.(67/25) . كما قال في إحدى خطبه
: وقدر الأرزاق فكثرها وقللّها ،وقسمها على الضيق أو السعة .فعدل فيها
ليبتلي من أراد بميسورها ومعسورها . وليختبر بذلك الشكر والصدق غنيها
وفقيرها . ثم قرن بسعتها عقابيل فاقتها . وبسلامتها طوارق آفاتها .
ويفُرج أفراحها غصص أتراحها . وخلق الآجال وقصّرها . وقدّمها وأخرها .
ووصل بالموت أسبابها . وجعله خالجا لأشطانها . وقاطعا لمرائر أقرانها .
جـ- أسلوب إشباع الحاجات :
قال في خطبة له: واعلم أنك خلقت للآخرة لا للدنيا, وللفناء لا للبقاء.
و للموت لا للحياة... الى قوله: اياك أن تغتر بما ترى من إخلاد أهل
الدنيا بها, و تكالبهم عليها... الى قوله: انما أهلها كلابٌ عاوية ,
وسباعُ ضارية , يهرٌّ بعضها على بعض , ويأكل عزيزها ذليلها, ويقهر
كبيرها صغيرها . نِعمٌ معقلة , وأخرى مهملة , وقد أضلّت عقولها... وقال
أيضاً: لاتكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً , وما خيرُ خيرٍ لا ينالُ
الا شرّ ويُسرٍ لا ينال الا بعسرٍ. واياك أن توجب بك مطايا الطمع,
فتوردك مناهل الهلكة , و إن استطعت أن لا يكون بينك و بين الله ذو نعمة
فافعل , فانك مدرك قِسمك , و آخذ سهمك...الى قوله: فالحرفة مع العفة ,
خير من الغنى مع الفجور. قارن أهل الخير تكن منهم , وباين أهل الشر تبن
عنهم. بئس الطعام الحرام. و ظلم الضعيف أفحش الظلم....الى قوله: و لا
تُضَيعنَ حق أخيك اتكالاً على ما بينك وبينه , فانهُ ليس بأخ من أضعت
حقّه . ولايكن أشقى الخلق بك , ولا ترغبن فيمن زهد عنك , ولا يكوننَّ
أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته. ولا يكوننَّ على الاساءة أقوى منك
على الاحسان.. الى قوله: وأكرم على عشيرتك فانهم جناحك الذي تطير,
وأصلكَ الذي اليه تصير, ويدك التي بها تصول. استودع الله دينك ودنياك ,
واسأله خيرَ القضاء لك في العاجلة والآجلة , والدنيا والآخرة. وقال
أيضاً: أصدقاؤك ثلاثة:صديقك وصديق صديقك وعدو عدوك. و أعداؤك
ثلاثة:عدوُّك وعدو صديقك وصديق عدوك.
وجاء في الحديث : خمس من أتى الله بهنَّ أو بواحدة و جدت له الجنة: من
سقى هامة صادية , وأطعم كبداً هافية , أو كسى جلدةً عارية , أو حمل
قدماً حافية , أو أعتق رقيةً عانية....
وجاء في وصية لولده: واعلم أن أمامك طريقاً ذا مسافة بعيدة , و مشقة
شديدة , و أنه لا غناء بك فيه من حسن الارتياد . و قدّر بلاغك من الزاد
, مع خفة الظَّهر , فلا تحملن على ظهر فوق طاقتك. فيكون ثقل ذلك وبالاً
عليك . واذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك الى يوم القيامة ,
فيوافيك به غداً حيث تحتاج اليه فاغتنمهُ و حمِّلهُ اياه , وأكثرمن
تزويده وأنت قادر عليه. فلعلك تطلبهُ فلا تجدهُ . واغتنم من استقرضك في
حال غناك , ليجعل قضاءه لك في عسرتك. واعلم أن أمامك عقبة كؤودا, المخف
بها أحسن من المثقل. والبطيء عليها أقبح حالاً من المسرع. وإن مهبطك
بها لا محالة, اما على جنة أو على نار. فأوتد بنفسك قبل نزولك. ووطىء
المنزل قبل حلولك فليس بعد الموت مستعتب ولا الى الدنيا منصرف.وقال
أيضاً: إياك ومصادقة الأحمق , فإنه يريد أن ينفعك فيضرك. و إياك و
مصادقة البخيل:فإنه يستعبدك .
د-
المؤمن وقضاء الحاجات :
قال في خطبة له : والله ما معاويةٌ بأدهى مني , ولكنه يغدر و يفجر , و
لولا كراهية الغدر لكنت أدهى الناس , ولكن لكل غدرةٍ فجرة , ولكل فجرةٍ
كفرة, ولكل غادرٍ لِواء يُعرف به يومَ القيامةِ , والله ما أُستغفل
بالمكيدة و لا أُستغمز بالشديدة... كما نصحَ في خطبةٍ له: احذر أن يراك
الله عند معصيته و يفقدك عند طاعته, فتكون من الخاسرين. وإذا قويتَ
فاقوَ على طاعة الله .وإذا ضَعِفتَ فا ضعف عن معصية الله، كما للمؤمن
ثلاث ساعات: فساعة يناجي فيها ربه , وساعة َيرمِ بها معاشه , وساعة
يُخلي بين نفسه وبين لذتها فيما يحلَّ ويجمل . وليس للعاقل أن يكون
شاخصاً إلا في ثلاث: مُرمَّةٌ لمعاش (أي إصلاحه)أو خطوة في معاذ , أو
لذة في غير محَّرم.
أيها المؤمنون إنه من رأى عدواناً يُعمل به, و منكراً يُدعى إليه ,
فأنكره بقلبه فقد َسِلمَ وبريء , ومن أنكره بلسانه فقد أَجُرَ و هو
أفضل من صاحبهِ . ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا و كلمة
الظالمين السفلى , فذلك الذي أصاب سبيل الهدى , وقام على الطريق ,
ونَوَّر في قلبه اليقين.
أيها الناس: اتقوا الله. فما خُلِقَ امرؤٌ عبثاً فيلهو . ولا
تُِركَ سدى فيلغو . وما دنياه التي تحسَّنت له بخلفٍ من الآخرة التي
قبَّحها سوء النظر عنده. وما المغرور الذي ظفر من الدنيا بأعلى همته,
كالآخرالذي ظفر من الآخرة بأدنى سُهمته.
لا شرف أعلى من الإسلام , ولا عزٌّ أعزُّ من التقوى , ولا معقلٌ
أحسنُ من الورعِ , ولا شفيعٌ أنجع من التوبةِ , ولا كنزٌ أغنى من
القناعة , ولا مالٌ أذهب للفاقةِ من الرضى بالقوت... الى قوله:إن الله
سبحانه وضع الثواب على طاعته , والعقاب على معصيته, ذيادة (منعة)
لعباده عن نقمته, و حباشة لهم إلى جنته. فالنمط الاقتصادي عند
الامام علي (ع) ،أقرب الى النمط الاشتراكي، من حيث الحرية الفردية في
العمل والتملك، ضمن سقف محدد عام للمجتمع ، ومن حيث إدارة ملكية الدولة
أو القطاع العام ، والجباية ... فهي ملك عام للمسلمين . فالمال مال
المسلمين ، وهم أهله وأصحابه ، ولا يجوز أن تكون هناك امتيازات ، وحقوق
خاصة ، لمن يمارس وظيفة قيادية ...فالقائد الاداري ، يجب أن يتوفر عنده
الإيمان المطلق بالمبادىء التي يجب اتباعها . لذلك كان (ع) يُكنَّس بيت
المال ثم يصلي به كل اسبوع، وقد هدَّد عامله زياد بن أبيه برسالة له :
وإني أقسم بالله قسماً صادقاً، لئن أبلغني أنك خنت من فَيْءِِ المسلمين
شيئا ، صغيراً أو كبيراً ، لأشدنّ عليك شدّةً تدعك قليل الوفر ، ثقيل
الظهر ، ضئيل الأمر والسلام.
وقال إلى جابر بن عبد الله الأنصاري ، يا جابر : قوام الدين والدنيا
بأربعة : عالم يستعمل علمه . وجاهل لا يستنكف أن يتعلَّم . وجواد لا
يبخل بعروفه . وفقير لا يبيع آخرته بدنياه . فإذا ضيَّع العالم عِلمه ،
استنكف الجاهل أن يتعلَّم . وإذا بخل الغنيُّ بمعروفه، باع الفقير
آخرته بدنياه . يا جابر من كثرت نعمة الله عليه ، كثرت حوائج الناس
إليه ، فمن قام بما ييجبُ لله فيها عرَّض نعمة الله لدوامها . ومن
ضيَّع ما يحب لله فيها عرَّض نعمته لزوالها .
هـ- السياسة عند العلماء :
قال تعالى: قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر
أولوا الألباب ( 9/39) . قال الإمام الرضا (ع): الناس بالنسبة للعلم هم
: إما طالب علم ، أو معلم يقوم بتعليم الآخرين ، أو عالم : اختص بعلم
من العلوم بجدارة وإتقان ، أو علاَّمة : استوعب كافة العلوم ، واختص
بعلم من هذه العلوم .
قال الإمام علي (ع) :يا طالب العلم ، إن للعلم ثلاث علامات : العلم
والحلم والصمت ، وللمتكلف ثلاث علامات : ينازع من فوقه بالمعصية ويظلم
من دونه بالغلبة ويظاهر الظّلَمَة... وقال: العلم بدون قيم ، بغي
ودمار ... وقال : لا يدخل الجنة إلا من عرفنا بالولاية وعرفناه
بالطاعة. وهذا يشير الى أن الهداية تعني معرفة الطريق السوِّي أو
التقوى, كونها تمثل الإمتثال الى الأوامر والنواهي. لذلك فالإقرار
بالولاية لا يكفي لدخول الجنة , لأن الولاية تستوجب المحبة, والمحبة
تستوجب الطاعة , والتحلي بمكارم الأخلاق . وعليه فإن دخول الجنة ,
يتوقف على الأخذ بآداب الرسل و طاعتهم... هذه الآداب تشملُ خمسة أنواع
من السياسات:
- السياسة النبوية: معرفة كيفية وضع الأمور المُرضية والسُنَن
الزكية بالحُجج الصحيحة والفصيحة, ومداراة النفوس المريضة.
- السياسة الملوكية: معرفة حفظ الشريعة على الأمة و إحياء
السنَّة في المُلَّة , بالأمر بالمعروف والإنهاء عن المنكر.
- السياسة العامة:الرئاسة على الجماعات في المدن والقرى.
- السياسة الخاصة: معرفة كيفية تدبير الشؤون الخاصة في المنزل
والمعيشة.
6-الخلاصة – القرآن ونهج البلاغة بحران من العلوم:
1-مقدمة : قال النبي (ص) : يأتي قوم بعدي ، ويجدوا كتاب الله بين
دفتين ، فيؤمنوا به ويعملوا بما جاء به ، أولئك أعظم درجة عند الله ...
فالقرآن هو كتاب شاءه الله لكل زمان ومكان ، فهو علم يشمل مختلف
الحقائق العلمية والتربوية ، وليس كتاب تشبيه وتقليد . لذلك شرَّع الله
الإسلام كنمط سياسي اجتماعي خلاّق ، يعتبر ركيزة أساسية لبناء مجتمع
متكامل وقوي ومزدهر وعليه مادام المؤمن مؤمناً بأن الله أجلّ الأشياء
، فإن العلوم الإلهية تعتبر أجلّ العلوم والمعارف ، وإن المعرفة بها
ليست كالعلوم السطحية المشتركة للعموم ... بل هي معرفة تبدأ بالتأمل
والتفكير فيما خلق الله ،والعمل لتربية نفسه ، ومعرفتها ومعرفة ما
فوقها ، حتى تستيقظ من أعماقها وتتجه للإخلاص لله . فالقرآن الكريم
الذي أنزله الله على نبيه محمد (ص) ، هو كدستور إلهي بلسان عربي مبين
، يحتوي على إشارات ورموز وتلميح ، وفيها ذكر لجميع العلوم التي تسيّر
هذا الوجود ، ودعا ذوي الألباب إلى التأمل والتفكير لفهمها وتوضيحها .
قال تعالى: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبرّوا آياته وليتذكر أولو
الألباب .(29/38) . إن تدبّر آيات القرآن يختلف من فترة لأخرى حسب
تقدّم العلوم وارتقاء المعارف الإنسانية .والمثال على ذلك هو أن علماء
المسلمين لخصوا فهمهم لاعجاز القرآن بما يلي : علم الإنشاء والإيجاد ،
علم التوحيد والتنزيه ، علم صفات الذات ، علم صفات العقل ، علم العَفو
والعذاب ، علم الحشر والحساب ، علم النبوات ...وبالتالي تركوا أسلوب
اشادة مؤسسات البحث العلمية ,لاكتشاف الوسائل المناسبة لكل مرحلة من
مراحل التطور الإقتصادي ،خلافاً لما فعلته الدول الصناعية , ومن جملتها
إيران...
2- علم الاقتصاد الاجتماعي : دعا القرآن الكريم إلى بناء مجتمع إنساني
متكامل، يقوم على مبدأ الجهد الفردي و التكامل الاجتماعي ، وعدم تجاوز
قيمة الجهد المبذول إلا بحدود مقبولة ، بما يحقق نظاماً اجتماعياً
واقتصادياً متكاملاً ، يؤهل الإنسان بأن يرقى إلى مستوى الكمال ،في
علاقاته وسلوكه ما دام متقيداً بالقيم والأوامر الإلهية. قال تعالى :
والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار
والأفئدة لعلكم تشكرون .(78/16) .وقوله : الذي جعل لكم الأرض فراشا
والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا
لكم...(22/2) . فالدعوة الإلهية لها مستويان:
أ-
دعوة الإنسان إلى أن يعتمد في تأمين دخله على جهده الخاص ، وأن يراعي
في ذلك القواعد والقيم الأخلاقية ... فالله سبحانه جعل الأرض ملائمة
لطباع الناس وبما يساعد على الانتفاع بها ، وحيث تتماسك عليها أبدانهم
وبنيانهم ، وأخرج منها الثمرات رزقا لهم .
ب-دعوة المجتمع الى إقامة تعاون اقتصادي واجتماعي بين مختلف شرائحه ،
في ظل الإيمان بالله والامتثال لأوامره . قال تعالى : ليس البر أن
تولوا وجوهكم قِبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر
والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى
والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة
والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس
أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون .(177/2 ) . وقال : وإن هذه أمتكم
أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون . (52/23) . فالأمة هنا يقصد بها الجمع
البشري الإنساني في بلد ما أو منطقة ما ... وتعني أيضاً العالم أو
العارف الذي يتبنى ويعمل لتحقيق مصالح ومنافع هذا المجتمع... على
اعتبار أن مصيرهم مترابط بعضه ببعض كونهم يؤمنون بوحدة المصير ، وعليهم
أن يتعاونوا ويتواصلوا ، حتى لا يكونوا كما جاء في خطبة للإمام علي (ع)
: أفبهذا تريدون أن تجاوروا الله في دار قدسه ، وتكونوا أعز أوليائه
عنده ...هيهات لا يُخدع الله عن جنَّته ولا تُنال مرضاته إلا بطاعته .
فالمؤمن العارف : هو مسلم ومؤمن وأمة .أي أن كلمة أمة تطلق على الواحد
والجماعة والمأموم. قال تعالى:إن ابراهيم كان أمة قانتا لله حنيفاً ولم
يك من المشركين. (120/16).إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون
.(92/21).
3-المؤمنون : زينة الله في الأرض :يطبقون ما دعى الله إليه :
جاء عن الصادق (ع) : لقد كانت الدنيا وما فيها إلا واحد يعبد الله
... ثم إن الله آنسه باسماعيل واسحاق فصاروا ثلاثة ... لقد كان ابراهيم
(ع) أمة وقائماً مقام الجماعة في عبادة الله ... أي إن الأمة تعني
الإمام الذي يقتدى به على الدوام ، كونه يعرف علم السياسة وفقاً
للقواعد الدينية ، وبعبارة أخرى إن المؤمن العارف متى قام بدوره ،
كمسلم ومؤمن على المستوى الشخصي ، عليه أن ينتقل في تواصله الى مستوى
الأمة أو الجماعة ... أي أنه يتبنّى أهداف وتطلعات الأمة كما دعت إليها
القيم الإلهية . فالمعرفة التي ينالها العارف ، إذا لم يعممها على
مستوى الأمة تبقى خاصة به ، وكأنه كتاب مغلق... وهذا يخالف ما يوجب
عليه ، بأن يكون زينة الله في الأرض كما جاء في حديث عن النبي (ص) قال
: زيّن الله السماء بثلاث : الشمس والقمر والكواكب ، وزيّن الأرض بثلاث
... العلماء والمطر وسلطان عادل . فالمؤمن العالم أو العارف هو زينة
الله في الأرض ، لأنه يؤمن بالبيعة الإيمانية القلبية ، ولأنه أمة
يتبنى مصلحة الجماعة على المستوى العام ، للأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر ، واستنكار ما يقوله أو يفعله المبطلون والمنكرون ... وذلك حتى
تكون كلمة الله هي العليا ، وحتى لا يُوصف بالصفات التي وُصِف بها
علماء اليهود بقوله تعالى : مثل الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها
كمثل الحمار يحمل أسفاراً بئس مثل القوم . (5/62) .وقوله تعالى
:أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض .(85/2).
لذلك فإن المؤمن العارف، عليه أن يجمع بين علم السلوك في الحياة
الدنيا والذكر القلبي . فالعلم الإلهي هو أفضل العلوم، لأنه يجمع بين
العلوم في الدنيا والآخرة ، ويدعو إلى التكامل والشمولية في المعرفة
... حتى يكون المؤمن العالم في سلوكه، بعيداً عما جاء في وصف علماء
اليهود ،في قوله تعالى : فلما نسوا ما ذُكّروا به أنجينا الذين ينهون
عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون .(165/7) .
أي أن الله أنجا الذين كانوا أقوياء في معارفهم وعزيمتهم ،فلم ينسوا
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
فالإسلام دين يحقق للناس سعادة الدارين .لأن الله سبحانه عندما
يأمر بالتسبيح والعبادة ، فإنه يأمر في الوقت نفسه بأن يُعطي المسلم من
فضول ماله لتزكو نفسه ، قال النبي (ص) : من عمل بهذه الآية فقد استكمل
الإيمان . جاء عن الصادق (ع) : المال مال الله ، جعله وديعة عند خلقه ،
وأمرهم أن يأكلوا منه قصداً ( أي في حدود الاعتدال ) ويلبسوا قصداً
وينكحوا قصداً ، ويركبوا منه قصداً ، ويعودوا بما سوى ذلك على فقراء
المسلمين . فمن تعدى ذلك كان أكله منه حراماً، وما لبس منه حراماً ...
الى قوله : وبئس العبد عبد يعيش فيما حرّم الله عليه ، يصبح ويمسي
والرب ساخط عليه ... وقال أيضاً (ع) : لو ان الناس أدوا زكاة أموالهم
ما بقي مسلم فقير ...وإن الناس ما افتقروا ولا احتاجوا ولا جاعوا ولا
عروا إلا بذنوب الأغنياء.
هذا وتجدر الإشارة إلى ما قاله الفيلسوف الفرنسي موريس بوكاي
(1):لقد قرأت التوراة والإنجيل والقرآن، وكان مما يثير الدهشة ،لمن
يواجه النص القرآني ، الذي وُضِع في القرن السابع المسيحي ،هو ثراء
الموضوعات التي تعالج : الخَلق ، علم الفلك ، علم الأرض ، علم الحيوان
، علم النبات ، علم الإنسان ... ولكن العلم الحديث لم يثبت عكس ذلك ،
مما يؤكد بأن هذه العلوم ليست من وضع إنسان . وبعبارة أخرى ، لو أن
علماء المسلمين، بحثوا في العلوم التي وردت في القرآن ، لوجدوا أن
مختلف العلوم والنظريات[1]العلمية
المكتشفة، أو قد يتم اكتشافها ، قد أشار إليها القرآن ...وبالتالي ،
كان بالإمكان إظهار الهدى ودين الحق على الدين كله (كما ورد في الفقرة
16)،لقوله تعالى : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على
الدين كله وكفى بالله شهيدا . (28/48) . وقد حذّر الله من عقوبته في
اتباع الهوى بما يخالف أوامره . قال تعالى : كذبت ثمود بطغواها . إذ
انبعث أشقاها . فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها . فكذبوه فعقروها
فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها . ولا يخاف عقباها .(11-15/91) ... ولو
أن علماء المسلمين المتقدمين بحثوا وتأملوا في البعد العلمي الذي أشار
إليه القرآن الكريم لكان بإمكانهم أن يثبتوا للعالم أجمع بأن كلمة الله
هي العليا ... وبالتالي : كان العلمانيون والماديون في الدول الصناعية
، يقتبسون منهم معالم الحضارة والتقدم ...أي لكانوا كما وصفهم الله:
خير أمة أخرجت للناس بدلاً مما هم عليه ...ولكنهم اهتموا في مسألة
العبادة وصفات الله وأسمائه الحسنى ...و سيطرت عليهم الأهواء والرغبات
الاجتماعية والمادية...ولم ينفقوا في سبيل الله ، فالله هو الغني
والناس هم الفقراء . لذلك هددهم بقوله تعالى : وإن تتولوا يستبدل قوماً
غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم .(38/47) . وقد سئل النبي (ص) عن القوم
الآخرين ، فقال قوم هذا ، وأشار الى سلمان الفارسي .
4-الاختلاف في فهم النظام الاقتصادي الاسلامي :
وعلى أية حال ، إن الدين الإسلامي يدعو إلى وحدة العقيدة بالله ،
كما أن الشريعة الإسلامية التي دعا إليها ، فإن أحكامها واضحة ، موضوعة
على قواعد علمية ، وهي تحض على التفكير والعلم ، في إطار القيم التي
دعا إليها الله على والقرآن والسنة النبوية ... ولكن المسلمين لم
يرتقوا إلى المستوى الذي دعا إليه الإسلام منذ بيعة الخلبفة عثمان .
وبعبارة أخرى ، ان الله سبحانه وتعالى قال : كنتم خير أمة أخرجت للناس
تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ... (110/3).هو الذي
أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله
شهيدا(28/48) . ولكن بعد غيبة النبي (ص ) ، سيطر الجهل لصالح المواقف
السياسية والأهواء الشخصية ، وكانت النتيجة : التراجع بعد النهوض
والتخلف بعد التقدم ... وكان ذلك سبباً للتفرقة في الدين ، وعدم
استمرار السعي لإعلاء كلمة الله، بإظهار الهدى ودين الحق ، لأن العلماء
، والذين حكموا باسمه ، لم يعملوا بما جاء به من علم ،كونهم ليسوا من
ورثة العلم ، ولا ممن اسُتحفِِظوا عليه[2]
.بل كانوا مسيَّين بأهوائهم ورغباتهم . يؤكد ذلك قول الإمام علي (ع )
في خطبة له :
أيها الناس ، خذوها من خاتم النبيين (ص ) :" إنه يموت من مات منا
وليس بميت ، ويبلى من بَلِيَ منا وليس ببال " ، فلا تقولوا بما لا
تعرفون : فإن أكثر الحق فيما تنكرون ، واعذروا من لاحجة لكم عليه ،
وأنا هو، ألم أعمل فيكم بالثقِّل الأكبر !!! وأترك فيكم االثِّقل
الأصغر ، وَركَزْتُ فيكم راية الإيمان ، ووقفتكم على حدود الحلال ،
والحرام وألبستكم العافية من عدلي ، وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي ،
وأريتكم كرائم الأخلاق من نفسي. فلا تستعملوا الرأي فيما لا يُدرِكُ
قعره البصر ، ولا تتغلغل إليه الفكر .
وتجدر الإشارة الى ما ذكرناه سابقاً ، من أن موضوع الخلاف بين
الإمام عليّ (ع) والخليفتان أبو بكر وعمر (رض) ، كان بالدرجة الأولى ،
بسبب الأحقية في الخلافة ...إلا أنه كان معهما وإلى جانبهما بإخلاص ،
في المشورة ، وفي جميع المواقف التي تتماشى مع منطلقات الدعوة
الإسلامية . ذكرنا في الحاشية /8/ بأن موقف الخليفة عثمان ، كان رافضاً
لنصائح الإمام عليّ(ع) ،وذلك لعدم ترك النزعات القبلية ، مما أثار
الفتنة التي أدت إلى مقتله ، وظهور اتجاهين متناقضين :
الأول :يمثل رأي الفريق الذي اعتقد بأن النظام الاقتصادي الاسلامي الذي
كان قبل عثمان ، يُعبّرُ عن العقل الإيماني المثالي لتطبيق الدين
كعقيدة وسياسة ...حتى تكون الحياة الدنيا زينةً للذين آمنوا ، بدلاً
مما هي عليه زينة لأصحاب النفوذ ورأس المال .
الثاني : يمثّل رأي الفريق الرافض للنظام الاقتصادي الإسلامي ، تبنته
الارستقراطية القرشية، وأصحاب النزاعات القبلية... الذين قاموا بحروب
الجمل والخوارج وصفين ...وبالتالي تمت سيطرة أصحاب النمط المادي
والعقلي (راجع الحاشية 6و7 ) ، حيث استخدموا الدين كوسيلة للسيطرة
واكتساب المزيد من الثروات .
أخيرا نشير إلى كلام للإمام علي (ع) عندما سئل عن سبب فساد الناس
فقال:" إنما هي من فساد الخاصة، وإنما الخاصة ليقسمون إلى خمس :
العلماء : وهم الأدلاء على الله ، والزهاد: وهم الطريق إلى الله ،
والتجار: وهم أمناء الله ، والغزاة: وهم أنصار دين الله ، والحكام :
وهم رعاة خلق الله . فإذا كان العالم طماعا، وللمال جماعا فبمن يُستدل
؟وإذا كان الغازي مرائيا ، وللكسب ناظرا فمن يذبُّ عن المسلمين؟ وإذا
كان الحاكم ظالماً، وفي الأحكام جائرا فمن ينصر المظلوم على الظالم ؟
فو الله ما أَتْلَفَ الناسَ إلا العلماء الطَّماعون ، والزهّاد
الراغبون، والتجار الخائنون ، والغزاة المراؤون ، والحكام الجائرون ،
وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. أي إن العالم ، إذا لم يعمل بما
يوجبه عليه العلم ،يصبح بطانة لأولي الفساد ، ويسهم في الدعوة لإقامة
دولة الكفر ، خلافاً لقوله تعالى : يا أيها الذين أمنوا لاتتخذوا بطانة
من دونكم لا يألونكم خبالا...(118/3) .
لذلك
نلاحظ أن الطرق إلى معرفة الله لا تتباين وأن السبل المرشدة إلى توحيده
وطاعته ، يجب أن لا تختلف ... وإن اختلف الدعاة إليه ، لأن مضمون أو
هدف الدعوة إليه يبقى واحداً . لقوله تعالى:" وان هذا صراطي مستقيما
فاتبعون ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم
تتقون (153/6) . أي أن هناك سبيل واحد، ولا تتبعوا السبل وان اختلف
الدعاة وتباينت السبل التي يسلكونها ،حتى لا تختلفوا وتتفرقوا. لذلك
كان إرسال الرسل وبعث الأنبياء مبشرين ومنذرين ، لم يكن إلا لإرشاد
الناس وهدايتهم إلى طريق واحدة ، وهي معرفة الله ، وعبادته وحده
مُنزَّها عن الشريك والشبيه والضد والند، وإصلاح ذات البين وطاعة الله
ورسوله إن كانوا حقاً مؤمنين .
وأخيراً نذكر نصيحةً وجهها لأهل التقوى ، فقال (ع) : إني أكره لكم أن
تكونوا سبّابين ، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم وذكرتم حالهم ، كان أصوب في
القول وأبلغ في العذر ، وقلتم مكان سبكم إياهم : اللهم احقن دماءنا
ودماءهم واصلح ذات بيننا وبينهم ، واهدهم من ضلالتهم ، حتى يعرف الحق
من جهله ، ويرعوي عن الغيّ والعدوان من لهج به .
------
الحواشي
------
حاشية 1-مولد الإمام علي ونزعته الإيمانية اللدنية الجهادية .................30
حاشية 2- موقف الإسلام من النشاط الاقتصادي ..........................
33
حاشية 3-الإسلام وتشكيل الدولة ........................................ 38
حاشية 4- المذهب المادي ................................................40
حاشية 5 -الدولة في ظل المذهب العقلي ...............................
43
حاشية6 -الصعوبات التي واجهت الدعوة ............................... 44
حاشية 7- الإمام عليّ(ع) مع الخليفتين أبي بكر وعمر.................... 46
حاشية 8- الإمام عليّ(ع) مع الخليفة عثمان ...............................52
حاشية 9 - دور العلماء والعوام في تطبيق الأوامر ........................... 55
حاشية رقم 1-:مولد الإمام
عليّ(ع) ونزعته الإيمانية اللدنية الجهادية:
1-مقدمة :
ولد الإمام علي (ع) في الكعبة 13 رجب سنة 30 من عام الفيل لـ 23 عام
قبل الهجرة أي سنة 600م وكان أول من ولد في الكعبة ،وآمن بالله
وبالرسول وعمره عشر سنوات أو أقل... وبه نزلت الآية الكريمة : أنّا
نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين
.(12/36) . هذه الآية تدل على أن ما أوتي به من علم كان منذ نشأته
الأولى . والمعروف بأن العلم لدى الإمام، إما أن يكون عن طريق التعلّم،
وهو ما تلقاه من النبي (ص)، أو لدني فطري وهبه الله إليه، فكان عليه
السلام يجمع العلمان بالإضافة إلى الشجاعة وشدة البأس ومكارم الأخلاق ،
وما يرافق ذلك من الحكمة وحسن الإدارة . لقد كان يتميّز بكونه قائد
إداري حكيم يضع الأمور بمواضعها ، ويأخذها من جوانبها المتعددة.. .كما
نوضحه فيما يلي: جاء في خطبة القاصعة: أنا وضعت في الصغر بكلا
كل العرب ، وكسرت نواجم قرون ربيعة ومضر،(1)
وقد علمتم موضعي من رسول الله (ص) وآله بالقرابة القريبة والمنزلة
الخصيصة ...إلى قوله : وما وجد لي كذبة في قول ، ولا خَطَلة في
فعل(2)، ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن أن كان فطيماً
أعظم ملكٍ من ملائكته يسلك به طريق المكارم .ومحاسن أخلاق العالم ،
ليله ونهاره ، ولقد كنت أتبعه اتِّباع الفصيل أثَرَ أمه، يرفع لي في كل
يوم من أخلاقه عَلَماً ،ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يُجاورُ في كل
سنة بِحراء فأراه ولا يراه غيري ولم يجمع بيتٌ واحدٌ يومئذٍ في
الاسلام غير رسول الله (ص) وآله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي
والرسالة ،وأشم ريح النبوة... هذه الخطبة ، تشير الى أنه كان يرافق
النبي (ص) في ثورته ضد الشرك ، والجهل ، والبغي . مما يجعلنا نقول :
النظام الاقتصادي الاسلامي ، هو كما ورد في القرآن والسنة النبوية ،
وما جاء من خطب وأقوال للإمام علي (ع) .
يؤكد ذلك قوله في خطبة أخرى : انتفعوا
ببيان الله، واتَّعِظوا بمواعظ الله واقبلوا نصيحة الله ،فانَّ الله قد
أعذر إليكم بالجليَّة . وأخذ عليكم الحجة، وبيَّن لكم محابَّه من
الأعمال ومكارهه منها. لتتَّبعوا هذه وتجتنبوا هذه...إلى قوله :
واعلموا عباد الله أنَّ المؤمن لا يُمسي ولا يصبح إلاَّ ونفسه ظنونٌ
عنده . فلا يزال زارياً عليها ومُستزيداً لها . فكونوا كالسابقين قبلكم
والماضين أمامكم، قوَّضوا من الدنيا تقويض الرَّاحل . وطَوُوْها طيَّ
المنازل .
لذلك، فإن الحديث عن الاقتصاد تحت هذا العنوان ،
فإنه يشمل الصّيغ السلوكية ، والمادية ، والأخلاقية ، التي دعا الله
إليها ، منذ عهد آدم (ع) ، وقتل قابيل لهابيل ، ليتعلم الانسان الصيغة
المثلى للأخلاق والتكامل الاجتماعي ... حيث يتُرك الفسق والكفر
والطغيان .
وقد أشار إلى ذلك في خطبة أخرى: ألا وإن
الظلم كامن في النفوس ، يظهر متى قَوِيَ الإنسان في بدنه أو ماله أو
جاهه ، إلا ما رحم ربي ...وقال : ألا وأن الظلم ثلاثة : فَظُلم لا
يُغفر ، وظلم لا يُترك ، وظلم مغفور لا يُطلب . فأما الظلم الذي لا
يغفر فالشرك بالله ، وأما الظلم الذي يُغفر فظلم العبد نفسه عند بعض
الهنات . أما الظلم الذي لا يُترك ، فَظُلم العباد بعضهم بعضاً .
وفي خطبة أخرى
يُذّكر الناس بأن عقاب الله شديد ، وإن ما وعدهم به من الجنة هي الأساس
في عملهم ... فقال : أيها الناس لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلّة أهله
فإنّ الناس اجتمعوا على مائدةٍ شِبْعُها قصيرُ . وجوعها طويلٌ أيها
الناس إنّما يجمع الناس الرضا والسُّخط .وإنما عَقَرَ ناقةَ ثمود رجلٌ
واحدٌ، فعمَّهمُ الله بالعذاب لِمَا عَمّوه بالرضا ...إلى قوله : من
سلك الطريق الواضح وَرَدَ الماء ومن خالف وقع في التيه.
هذه المقتطفات تشير إلى أنه وُلِد في الفترة
الأولى التي قامت بها الدعوة ، وتبناه النبي (ص) في الصغر، مما جعل
الإمام علي (ع) يساهم في مقاومة النمط القبلي وخلخلته ، وكسر قرون
زعامته . وإنه ما فعل ذلك إلا اقتداءً بالنبي (ص)، الذي كان يلقنه
العلم بالتدريج (كل يوم) ، حيث كان وكأنه مربياً له وهو ثالث الثلاثة
كما ذكر ... وعلى أية حال ، إن العرب كانوا قبل الدعوة الإسلامية في
مرحلة النمط الاقطاعي والحياة القبلية ، وكان قسماً منهم وكأنه في
المرحلة الأولى ، مرحلة الرق. أما من الناحية الفكرية والعقائدية ،
يلاحظ بأن المجتمعات العربية كانت مؤلّفة من قبائل تعتنق اليهودية أو
النصرانية ، أو عبادة الأصنام ، أو عاديين . وبعبارة أخرى إن المحتوى
التاريخي الأساسي لمرحلة صدر الاسلام ، يحتوي على تدشين مرحلة جديدة
للانتقال من مرحلة القبيلة والحياة البدائية ، إلى بناء دولة للإسلام
ووضع قواعد وأسس وقوانين ... على نمط جديد، بعيداً وباستقلالٍ عما كان
سابقاً ، تعتمد بدرجة عالية على القيم الأخلاقية ، والحضّ على التعاون
والتكامل.
وقال في خطبة له : ثم إن الله سبحانه بعث
محمد (ص) بالحق حين دنا من الدنيا الانقطاع ومن الآخرة الاطلاع... إلى
قوله : جعله الله بلاغاً لرسالته ،وكرامة لأمته ، وربيعاً لأهل زمانه ،
ورِفعة لأعوانه ، ومشرِّفاً لأنصاره . ثم أنزل عليه الكتاب نوراً لا
تطفأ مصابيحه ، وسراجاً لا يخبو توقّده . فهو معدن الإيمان وبحبوحته ،
وينابيع العلم وبحوره ورياض والعدل وغدرانه .
وبعبارة أخرى ، إن القيادة الصحيحة تكون نابعة من
الروح ، وتمزج مع شخصية القائد وبصيرته ، وتصبح ممارستها فن . كذلك فإن
الإدارة تنبع من العقل،وتقوم على الحساب الدقيق ، والتنظيم والتوقيت ،
يكون فيها عمله الإداري ،وكأن هالة من الخبرة تحيط به ، كما تبطنه مسحة
من البداهة الطبيعية السليمة . هذه الصفات تجعل عند القائد الإداري
الناجح ، خبرة فيما يُسمَّى بسياسة حرق المراحل، لتحقيق الهدف المنشود
. وهذا ما كان مع الرسول (ص) والامام علي (ع) كقائدين تجلّت لهما أهداف
الدعوة، كمنهج للعمل ، ولإدارة المعركة ضد القوى التي تميزت بالجهل
والقبلية والطغيان... وبالتالي كانت وسيلة لتحقيق النصر أوالهدف من
خوض المعارك القتالية والغزوات المتعددة التي بلغت 26 غزوة ، عدا
المصادمات أو المعارك الصغيرة الأخرى .
وقال في خطبة له :
وأنا في الإسلام وبنيانه ، وأودية الحق وغطيانه
...إلى قوله : حاول القوم اطفاء نور الله من مصباحه ،وسدّ فوارَّه من
ينبوعه . وجدحوا بيني وبينهم شِرَبا وبيئا.فإن ترتفع عنا وعنهم محن
البلوى،أحملهم من الحق على محْضه، وإن تكن الأخرى، فلا تذهب نفسك حسرات
عليهم ،إن الله عليم بما يصنعون .
حاشية رقم 2- موقف الاسلام من النشاط الاقتصادي :
فالقرآن الكريم طالب الناس ضرورة الاعتدال في
الانفاق ، وتجنب الإسراف والتبذير أو البخل والتقتير . وهناك آيات
كثيرة تشير إلى ذلك . إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان
الشيطان لربه كفورا .(27/17) . وقوله : ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك
ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا .(29/17) . وقوله : والذين
يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله .(34/9) .وأحل الله
البيع وحرم الربا ، أي أنه أباح التجارة بين الناس ، يديرونها ، وعن
تراض منهم بعد اخضاع المعاملات التجارية الى قواعد أخلاقية ،
لقوله تعالى : وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاط
المستقيم ...(35/17) وقوله : ويل للمطففين . الذين إذا اكتالوا على
الناس يستوفون. وإذا كالوهم أو وزنوهم يُخسرون .(3/83) . وقوله : يا
أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربى أضعافاً مضاعفة .(130/3) . وقوله :
وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله .(39/30).
من الجدير بالملاحظة ، هو أن الله سبحانه عندما
أرسل رسله مبشرين ومنذرين ، لم يرسلهم إلا على صفة الحالة البشرية التي
كانت سائدة . والمثال على ذلك ، هو أنه أرسل موسى وهو بصفة راع ، وعيسى
وهو نجار ، ومحمد وهو تاجر صغير أميّ...وذلك ليحدّث القوم بلغتهم
وبمستوى فهم العامة من الناس ، مما كان يسير غضب الأغنياء والمقتدرين
على هؤلاء الرسل . فالحكمة من ذلك ، هو التذكير والتأكيد على وجود الله
الواحد الأحد ، وعلى أن لا يكتفي الإنسان بأن يقول بوجود إله ثم يفعل
ما يريد ، بل عليه أيضاً أن يعترف ويعمل بالقواعد والقيم التي دعاهم
الله إليها . لقد دعاهم إلى التسامي والتعاون الإجتماعي بقصد التحلّي
بمكارم الأخلاق ، والتعاون في إطار الأمة التي دعاهم لتكوينها وتشكيلها
...خلافاً لنظرية العولمة التي تلغي الدين (أو تضعه على جانب) ويعمل
على استثمار رأس المال لتحقيق الربح .
لذلك فإن النظرة إلى الاقتصاد تنطلق عموماً من
النواحي التالية :
-
انتاج الثروات ، سواء بالعمل ، أو باستخدام الوسائل
المناسبة لذلك .
-
استهلاك الثروات ، بما يتناسب مع الحاجات، التي تختلف
حسب مراحل التطور .
-
دراسة العوامل التي تؤمن توزيع الثروات ، من خلال نمط
من العلاقات الاجتماعية التي تقر العدالة وحفظ الحقوق للجميع .
وهذا يشير إلى أن النظرة الاسلامية الى الاقتصاد تنطلق
من زاويتين متكاملتين:
الأولى :إيجاد الوسائل الأكثر ملائمة للانتاج، وبالتالي
الدخل .
الثانية : يجب أن يتم تأمين الوسائل وقوة العمل بما
يتناسب مع المصلحة العامة .
لذلك فإن النظرة الإسلامية ، تربط الأسباب بالنتائج
، وتعطي حق استخدام الوسائل التكنولوجية وغيرها ، للسيطرة على الأشياء
، ثم الارتقاء بحركة متصاعدة لتحقيق الأهداف الأكثر سموّاً ...وذلك
خلافاً لحالة الأنظمة التي لا تقرّ أو لا تتقيد بما وجه إليه الله
سبحانه .فالله جعل الإنسان خليفته في الأرض ليؤمن التوازن في الطبيعة،
سواءً كان توازن بيئي أو حسن استغلال الموارد .
وعلى أية حال، إن انتصار الدعوة الاسلامية في صراعها
مع المجتمع القبلي والعائلي، ساهم في نزع الشرك بالله والنظرة
القبلية، واستبدالها بنهج جديد هو الإيمان بالله أو التسليم لأمره ، أي
اتباع نهج جديد في مختلف شؤون الحياة التي دعا إليها الإسلام .
فالتاريخ الاقتصادي ، يدرس ما يتعلق بالسلع والخدمات، وتداولها
وامتلاكها وتوزيعها واستهلاكها...وبالتالي دراسة تموجات الانتاج
الزراعي والصناعي، وأشكال تنظيمية أخرى ...كلّ ذلك وفقاً لقانون عام
جاء به الإسلام، حدَّد نهجه بقوله تعالى : إنا أرسلنا رسلنا
بالبينات والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد
ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره بالغيب إن الله قوي عزيز .(25/57)
. فالهدف الأساسي هو إقامة العدل والصالح العام للناس . وقال الإمام
علي (ع) في ذلك : العدل قوام الرّعية وجمال الولاة ... وقال : من نصب
نفسه للناس إماماً ، فليبدأ بتعليم نفسه قبل غيره ، وليكن تأديبه
بسيرته قبل تأديبه بلسانه ، ومعلّم نفسه ومؤِّدبها ، أحقُّ بالإجلال من
معلم الناس ومؤدبهم .
هذا ويستحسن الإشارة الى ان مجتمع المسلمين
كان صغيراً في الفترة الأولى بعد فتح مكة ، وكان عدد أفراده محدوداً ،
وأغلبهم ممن له موارد خاصة تكفي لإعالتهم ، وسدّ حاجاتهم المادية
...كما أن الغرض الإسلامي من الدعوة كان فكرياً وأخلاقياً يهدف الى نشر
العقيدة ، وتثبيت المثل الأخلاقية التي تكفل الحياة السليمة للفرد
والجماعة . لقد اعتمد الرسول (ص) في نشر الدعوة على الشرح والاقناع دون
الإغراء المادي ... غير أن هذا لم يُلغِ الحاجة إلى الإنفاق ...يؤكد
ذلك نزول آيات كثيرة في بداية الإسلام تحضّ على الزكاة والصدقات
والإنفاق ، وتعتبرها واجباً دينياً مفروضاً على المسلمين ، يؤديه
المسلم بنفسه اختياراً دون أن يلتزم بدفعه للرسول (ص) ، أو أن يعتبر
كضريبة عامة تجتبيها الدولة ... إلا أن الحاجة الى الإنفاق ازدادت بعد
الهجرة إلى المدينة لأسباب منها :
إن
أكثر المهاجرين قَدِموا المدينة من دون أن تكون لديهم أموال ينفقون
منها ، لأنهم لم يكونوا يملكون أراضٍ يعيشون على مواردها ، كما أن
مجتمع المسلمين أصبح بتوسّع متزايد ، بسبب ازدياد عدد من انضم إليه من
أهل المدينة وغيرها . والمعروف بأن مجتمع المدينة كان زراعياً ، ومبدأ
الملكية الفردية ، كان هو السائد ، بالإضافة إلى عدد كبير كان يعاني
الحاجة والعَوَز ...لذلك كان على قادة الدعوة أن يتدبروا أسباب العيش ،
رغم ما أظهره الأنصار من كرم الضيافة ، إلا أنه لم يكن كافياً لتأمين
الحاجات ...كذلك فإن أعمال السوق والتجارة، التي مارسها بعض المهاجرين،
اقتصر مردودها على عدد محدود من الأفراد ...مما كان سبباً لأن تبقى
الغالبية العظمى على الكفاف . وقد أشارت كتب الحديث إلى ما كان عليه
الصحابة من الفقر في هذه الأزمنة المبكرة من الهجرة ، حيث كان كل من
الإيمان والعقيدة ، أقوى من أن يكون الفوز والثروة ، سبباً لضعضعة
الثقة بالإسلام ودعوته ...
وتجدر الإشارة إلى أن الدولة توسعت بعد فتح
مكة، وأصبحت تشمل الجزيرة العربية ، حيث تضم أراضي واسعة منوّعة في
أحوالها الجغرافية والاقتصادية ، كما أشرنا سابقاً ...يضاف إلى ذلك ،
إن بعض المناطق كانت فيها مراكز لصناعة النسيج مثل اليمن وقطر ...كما
أن صناعات أخرى ازدهرت ، وخاصة فيما يتعلق بالأسلحة ...أما أهم
التنظيمات للموارد المالية ، فقد كانت الزكاة وخمس الغنائم ... فالرسول
(ص) ، عمل على تثبيت نظام يؤمن ازدهار الحياة الاقتصادية ، بما فيها
التجارة والصناعة والزراعة ...لذلك فقد أجلَّ الإسلام إقامة حكومة
مركزية ، تعني بالصالح العام وتقوم بتنسيقه وتنظيمه ، ونشر الأمن
والسلم ، ومنع الغزو والقتال بين المسلمين ...كون الإسلام الّف بين
قلوبهم وأصبحوا بنعمته إخوانا ، كما حرَّم الربا ، ومنع الممارسات
اللاأخلاقية والاستغلال ، وألغى ما كان يأخذه من عشور وضرائب . فالزكاة
كانت المطلب الرئيس ...كذلك طلب منهم : الإسبذيون ، وهو الترقيم الذي
وضعه حميد الله.(1)
لذلك كانت فكرة توضيح معالم الدين وتثبيت عقائده ومبادئه ...أساساً في
توجيه الفكر وإنمائه ، وفي ترسيخ العلاقات الاجتماعية ...بما يكفل نموّ
المجتمع وتماسكه ...وهذا ما كان عليه الرسول والصحابة الأوائل وبالأخص
الإمام عليّ (ع) ...حيث كان من المسكن والمأوى... بسيطاً ، والمأكل كان
في الغالب من الأسودين ، أي التمر وخبز الشعير ،والملبس كان بسيطاً رغم
الاهتمام بالمظهر والعناية بالملبس ...ولم يعرف عنهم أنه تمّ فرض ضريبة
خاصة تؤول إليهم جبايتها ...كما جاء في قوله تعالى
: يا
أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يَديْ نجواكم صدقة ذلك
خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم .أأشفقتم أن تقدموا بين
يدي نجواكم صدقاتٍ فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة
وآتوا
الزكاة وأطيعوا الله ورسوله ، والله خبير بما تعملون .(13/58) .
وعلى أية حال ، إن الإسلام يدعو الى الاهتمام
بالحياة المادية القائمة على الأسس الأخلاقية والكسب الحلال ...كما جاء
في قوله تعالى : يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا
تُسرفوا إنه لا يحب المسرفين . قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده
والطيبات من الرزق ، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم
القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون .(32/7) . وما أوتيتم من شيء
فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون
.(60/28) . هذه الآيات وغيرها تشير إلى أن الحصول على المال والثروة
لرفع مستوى المعيشة ...كان ضرورياً إلا أنه بنفس الوقت، كان يؤكد على
عدم الإسراف ...لذلك نرى عدم الإسهاب في ذكر الغنائم التي كانت أثر
الغزوات ومغانم الأراضي وأسلوب التجارة ، والإنفاق الطوعي ...وأسلوب
التوزيع وقسمة الأسهم ، وأصحاب السهام الثمانية عشر والمسماة بأسماء
أفراد وعشائر ...
حاشية رقم 3-الإسلام وتشكيل الدولة :
قال تعالى : لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا
معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد
ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره بالغيب إن الله قويٌّ عزيز .(25/57)
.هذه الآية تشير، إلى أن الرسل جميعاً أتت لتدعوا إلى أن الله سبحانه
يريد إقامة المجتمع المتكامل، المتعاون، من خلال إقامة العدل والمساواة
. فالاسلام يشبه ويماثل ما سبقه من رسالات سماوية ، فهو عقيدة معلنة
اعتنقها المسلمون، وعبّروا عنها بالإيمان والقيام بطقوس الدين . خلال
فترة النبوة رسخت هذه العقيدة في نفوس معظم المسلمين ما عدا المنافقين
، ولكن بعد تشكيل الدولة ، ومنذ الخلفاء الراشدين، عندما بدؤوا بتطبيق
النهج الذي أتى به الاسلام ، واجهوا النزّعات القبلبية التي كانت سائدة
ما قبل الإسلام . إلا أن السنوات التي بدأت بخلافة عثمان بن عفان ،
اتسمت بمسايرته لتنامي موجة الاستياء والاحتجاج في الأمصار ، مما سببّ
تفاقم هذه النزاعات والتضارب في المصالح بين طرفين أساسيين : هما :
الخليفة وحاشيته ، والزعامات التقليدية للقبائل من جهة أخرى . فالجزيرة
العاربية شكلت موقعاً هاماً من العالم القديم ، كما شغلت دور القلب منه
، لأنها تتداخل مع مناطقه الحضارية كافة ... يضاف إلى ذلك كانت محطة
كبرى للتجارة وطرقاً هامة للقوافل والمواصلات الدولية .
أما أراضيها ، فتشكل منطقة واسعة من الأراضي
مستطيلة الشكل ، وهي هضبة مرتفعة في الغرب ، مع انحدار تدريجي للشرق ،
حيث تشكل سهولاً منخفضة واسعة،فيها صخور وأحجار نارية وبراكين خامدة
تسمى الحرات (المفرد حرة) معظم جبالها جرداء وأهمها جبال السراة
الموازية للبحر الأحمر ، والجبل الأخضر، وجبل عثمان ، وجبل طي ...وتقع
اليمن في الطرف الجنوبي الغربي من الجزيرة ، وهي ذات أمطار غزيرة ساعدت
منذ القديم على إنشاء السدود وتنظيم الري ، ومن أهمها سد مأرب .كذلك
يغلب على أراضي الجزيرة الطابع الرملي والصحراوي ، وأهم بواديها بادية
الشام ، وبراري العراق . أما الأراضي الصحراوية فهي منطقة النفوذ ،
والهناء، والربع الخالي ، وهضبة نجد حيث توجد بها طبقة من الحجارة
الكلسية .
تأثر العرب في حياتهم الخاصة بهذه الطبيعة القاسية
، التي فرضت على سكانها عبر العصور وبالتالي فرضت نوعاً من الاقتصاد
الذي يعيش به البدوي على المواد الأولية ، والمنتجات الحيوانية ، من
الوبر والصوف والشعر والألبان ومشتقاتها، واللحوم والجلود والتمر
...كذلك القمح والنخيل ...الخ كما أشرنا إليه سابقاً .
وعلى أية حال يستحسن الحديث عن مفهوم الدين كعقيدة
، ومفهوم السياسة كنمط يقوم بتهيئة الظروف المناسبة ، والعمل على توجيه
الناس وحضِّهم للتوفيق بين مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية ، وبين
العقيدة ، حتى لا تكون المرونة السياسية والمسايرة للمشاعر العامة ،
سبباً في التماهي والبعد عن الأصول . هذا المفهوم السياسي في التوفيق
بين الاتجاهين، يستوجب وجود راع أو رئيس أو قائد أو خليفة ...مع حاشية
تستوعب متطلبات أهداف الحاكم والآخرين . وبعبارة أخرى ، يمكن تمثيل ذلك
بالأسلوب الذي تتبعه الدول الصناعية الكبرى، التي تضع لنفسها
استراتيجية بعيدة المدى ، سواء في أسلوب انتخاب الرئيس والحاشية حوله ،
أو في وجود المؤسسات التنفيذية ... التي تعمل جميعاً في إطار الهدف
المحدد البعيد المدى ... وبالتالي تنفيذ ما يجب ، مع تحسين الأداء
وتطويره،بما يتناسب مع كل مرحلة من مراحل التنفيذ لهذه الاستراتيجية .
هذه المنطلقات السياسية تمثل النمط الذي دعا إليه الإسلام ، لأن عدم
تمسُّك السلطة بها ، يسبب تماهياً،، وخروجا عن مقاصد الدين . وقد نبّه
القرآن إلى ذلك بقوله تعالى : ها أنتم هؤلاء
تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه
، والله الغني وأنتم الفقراء ، وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا
يكونوا أمثالكم .(29/47) .
وبعبارة أخرى ، كان مفهوم الدولة قديماً يقتصر على
المفهوم التقليدي، الذي يقوم على مبدأ الحياد (أي الدولة الحامية) من
أجل حفظ الأمن ، تشجيع أعمال البرّ وحماية رعاياها ...ثم تطور المبدأ
الحيادي، إلى مبدأ" التدخل غير المباشر"، في مختلف المجالت الاقتصادية
والاجتماعية، مستخدمة بذلك مختلف أدوات التوجيه غير المباشر مثل :
الضرائب ، الأسعار ، السياسة النقدية ، سياسة الأجور ، القيام ببعض
المشاريع التي لا يرغب الأفراد القيام بها ...الخ. وذلك من أجل تحقيق
الانسجام بين عوامل النمو على مستوى الاقتصاد بشكل عام، وحتى يبقى
أسلوب " آلية السوق " قابلاً للاستمرار .
جاء في المنجد : دال ، دولة الزمان : دار وانقلب من
حال الى حال ، دالت له الدولة : صارت إليه . أدال إدالة الشيء : جعله
متداولاً ،تداولته الأيدي : تعاقبته أي أخذته هذه مرة وتلك مرة ...
ومنه قولهم : تداولوا الشيء بينهم ، أي تناقلوه وقلبوه بين أيديهم
وتناوبوه ... الدولة جمع دول ، ودَول ، وهو ما يتداولوه فيكون مرة لهذا
ومرة لذاك ...والبشر في الدولة ليس لهم سوى ما يتغير ويتبدل ، ولا مرجع
لهم سوى محصلة أفعالهم أي تاريخهم . وتطلق على المال والغلَبة ، كما
تطلق إجمالاً على البلاد : وهي الهيئة الحاكمة ...كما يقال الدهر دول ،
أي لاثبات له ولا قرار له . لذلك فإن كلمة الدولة من التداول ، لا تكون
دولة إلا بانتسابها إلى الحق والعدالة ،فهي السلطة السياسية المنظمة ،
التي تمارس الأمر والنهي ، والتقنين (وضع القوانين) ، ونظام الأمن
،والعلاقات الخارجية ، والقضاء.
حاشية 4-: المذهب المادي :
قبل الحديث عن المذهب المادي ، يستحسن الإشارة إلى
أن تطور المجتمعات البشرية ليس بقصد الإسهاب في تفصيل هذا الموضوع ، بل
الإشارة إلى الجذور التي انطلق منها البحث يرى علماء الاقتصاد بأن
الإنسان مرّ بمراحل مختلفة ، وقد اختلفوا في تصنيفها بالآراء التالية :
أ-
المرحلة المشاعية الهمجية – مرحلة الرعي- المرحلة
الزراعية – المرحلة الزراعية الصناعية – المرحلة الزراعية الصناعية
التجارية .
ب- التطور من مرحلة حكم الطبيعة – مرحلة سيطرة القوة
العاملة (الأفراد) – مرحلة استخدام راس المال على نطاق واسع.
جـ- تطور من المرحلة البدائية, إلى مرحلة الرق أو
العبودية, إلى مرحلة الإقطاع, إلى مرحلة الدولة ذات السيادة.
سبق أن ذكرنا بأن علماء الاجتماع والاقتصاد، قالوا
بأن التطور التاريخي للمرحلة الاقطاعية، كان بسبب تطور الزراعة
والصناعة والتجارة ، مما أوجب الحاجة إلى إيجاد قوة مركزية لادارة
الشؤون العامة، أطلق عليها اسم الدولة . فالمجتمعات في ظل الدولة ،
تطورت من مستوى دولة ذات سيادة على بقعة معينة من الأرض ، إلى دولة ذات
سيادة على دول أخرى ... سواء كان ذلك عن طريق المصالح الاقتصادية
والاجتماعية ، أو عن طريق الاحتلال والاستعمار (اسرائيل مثلاً )،أو من
خلال التعامل التجاري والصناعي والنفوذ السياسي والمادي معا(الاتحادات
الدولية ) . وبذلك تولّدت الدول ذات الأنظمة الاقتصادية المختلفة ،من
رأسمالية، شيوعية ،اشتراكية ، دينية ، مختلطة(ديمقراطية) ...كذلك ظهر
على المستوى الدولي سياسة القطبين ، وسياسة القطب الواحد في أسلوب
السيطرة على التوجيه الاقتصادي للدول الأخرى .
وتجدر الإشارة إلى أن عملية التطور الاقتصادي ،
كان من أسبابها أن الرأسماليين تبنوّا المذهب المادي، الذي يرى بأن
المادة تتمثل بالاقتصاد ، وهو العامل الرئيسي والرائد للمجتمع في نشوئه
وتطوره ... كما أنه الطاقة الخلاقة لكل المحتويات الفكرية والمادية .
كذلك يرى بأن العوامل الأخرى ، ما هي إلا بُنى مختلفة في الهيكل
الاجتماعي للتاريخ ، وبالتالي فإن هذه العوامل تتكيف وفقاً للعامل
المادي الرئيسي ، لتتلاءم بموجب قوته الدافعة التي يسير في ركبها
التاريخ والمجتمع . وبعبارة أخرى ، يرى المذهب المادي بأن الوضع
الاقتصادي هو الذي يحدد وضع القوى المنتجة ووسائل الانتاج ، التي
بدورها تُحدد وتضع تاريخ الناس وتطورهم ونظمهم .
وعلى أية حال إن الثورة الصناعية بعد الحرب
العالمية الأولى، أعطت بعداً جديداً لمفهوم الدولة، حيث تحول الى صفة
الدولة الحامية لأرباب العمل، بدلاً من صفة الدولة الحامية والراعية
لأفراد المجتمع ، وما رافق ذلك من إقامة الهياكل الأساسية، لصنع ونقل
التكنولوجيا، من مدارس، وجامعات، وبرامج تدريب، وبحث، وتطوير، استشارات
...وما رافق ذلك من استعمار للدول الأخرى ، حيث أصبحت الدول المستعمرَة
،مصدراً لتوليد رأس المال واليد العاملة، بشكل مباشر ، كما جعلت الدول
الأخرى هدفاً لنشاطها السياسي، واخضاعها بشكل غير مباشر للسياسة
الاقتصادية التي تنتهجها، سواء من خلال تصريف المنتجات ، أو بيع
التكنولوجيا ، أو اتباع سياسة تمنعها من التفوق التقني أو العسكري ...
وتجدر الإشارة إلى أن النظام الرأسمالي ظهر قبل
تكوّن الدولة ، حيث كان يتميّز بالحرية الفردية المطلقة ، واتباع نظام
المضاربة والرشوة والاحتكار، لتحقيق المزيد من الأرباح ، واستخدام
الربا على نطاق واسع، حتى أصبحت من اختصاص بعض التجار الذين تسمّوا
باسم : الربويين ...
مما سبق نلاحظ بأن المذهب المادي ينفي القيم
الإلهية ، وبالتالي ينفي وجود الله كقوة عالمة مدبرة لشؤون الناس عن
طريق الأنبياء والرسل . يقابله المذهب الاقتصادي الاسلامي الذي أوجده
الله وقام به النبي (ص)ومن تبعه من الصحابة وفي مقدمتهم الامام علي(ع)
. والمعروف عن العرب بأنهم كانوا قبل الدعوة الاسلامية في المرحلة
الثالثة .
هذه المعاناة نشأت عن الانقلاب الكلي من النمط
القبلي والاقطاعي والفردي، إلى مرحلة تتميز بالمجتمع الواحد، الذي يخضع
لسلطة مركزية مشتركة وواحدة تجمع بين الجانبين الديني والمدني . هذه
السلطة ، كما عبّر عنها الإمام عليّ (ع) ، تتمييز بالإيمان المطلق بأن
يكون العمل لإعلاء كلمة الله، وليكون الدين هو الإسلام . لقوله تعالى :
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ، ليظهره على الدين كله ، وكفى
بالله شهيدا.لقد عبّر الإمام عليّ(ع) عن ذلك بمواقفه عندما كان
خارج السلطة أو رئيسها .حيث سار مع كل الخلفاء الذين سبقوه ، ما داموا
على النهج الذي دعا إليه الإسلام ، ونصح وأعان كل منهم بما يساعد على
نشر كلمة الله وإعلائها ، وتجنُّب ما فيه ضرر للمسلمين . فالنمط
الإسلامي، يتميز بتفاعل عوامل مختلفة الوزن والطابع على المستويات
الداخلية والخارجية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية ،
وتساهم في رسم مسارها الجديد للأحداث الاقتصادية والتاريخية ، ولتحديد
مآلها ...لذلك رأينا الاكتفاء بالإشارة إلى هذه السلسلة من التطورات
لادراك منطقها الداخلي ، وتمييز مراحل التطور ، مما يسهل فهم تنوع
وتضارب الآراء والاتجاهات حول ترتيبها وتقييمها . وعلى أية حال،
فإنه ليس المطلوب في هذه المناسبة الاسهاب في ذكر التفاصيل ، ولكن
نكتفي بالقول ، ان اقتصاد السوق الحرة تطور مع تطور النظام الرأسمالي
وأصبح هناك ثلاث مستويات للرأسمالية :
الأول : مستوى أو أسلوب تقليدي، له صبغة من السلوك
السياسي للحكومة، من حيث أثره على توعية المجتمع، من خلال بنية الضرائب
التصاعدية ، برامج إصابات العمل والمرض والأمومة ، برامج العجز
والشيخوخة والوفاة ، برامج المخصصات العائلية والضمان ضد البطالة.
الثاني : الأسلوب التقليدي، الذي يطبق أسلوب المنافسة
الاحتكارية، بغض النظر عن نتائجها .وانتقل بذلك أسلوب المنافسة
والاحتكار،من على مستوى الدولة، إلى مستوى الدول الأخرى ،كأسلوب له
هدفين : الأول تحقيق الأرباح ...والثاني : فرض الهيمنة أو السيطرة غير
المباشرة ، وبذلك وجدت الشركات متعددة الجنسيات .
الثالث : سياسي، تميّز به بعد انهيار الاتحاد السوفييتي
عام 1991 ، حيث أصبح القطب الواحد الذي يوجه العالم ، ويسعى لمنع أية
قوة جديدة من الظهور.
حاشية رقم 5-الدولة في ظل المذهب الوضعي (العقلي ):
يرى أصحاب المذهب الوضعي أو العقلي ، بأن الإنسان في
ظل القانون الطبيعي، تُسيّره الأهواء والمصالح ، وتُحرّكه الرغبات
والميول والنزوات ، ويطغى عليه الشعور بالخوف وعدم الثقة بالغير،
والرغبة في السيطرة ... بما أن الطبيعة تتصف بالتضاد والصراع من أجل
البقاء ... انطلاقاً من مبدأ أن الحق والخير والعدل، ما هي إلا ثمرة
للعقل والإرادة ... وبما أن العقل يحتاج إلى رعاية لنموه ...لذلك فإنه
يحتاج إلى مؤسسة أو دولة تحميه وتطوره بما يقتضيه العقل ... وذلك
خلافاً إلى من يقول بأن الله سبحانه أرسل الرسل والأنبياء مبشرين
ومنذرين ، ودعوا إلى وحدة الصف للعمل بالأوامر والنواهي . فالمؤمنون
أخوة ، وأمرهم الله بالطاعة فقال : اطيعوا الله والرسول وأولي الأمر
...فالأمر أتى بصيغة التوجيه ،كي يتنازل كل واحد منهم عن شيء مما يره
حقه الخاص (من رغباته)، لصالح المجموع في إطار الجماعة أو الدولة .
فالدولة : تؤلف كياناً مستقلاً يتجاوز الأفراد ويتعالى عليهم حيث تصبح
ممثلة للحق ولتنمية الوعي ...أما الإنسان من خلال الدولة أو الجماعة ،
فإنه يستطيع تحقيق رغباته وزيادة وعيه للذات في ظل المنطق أو العقل
الذي يمثله القانون ، ويصبح حراً في سلوكه وتفكيره ... وبما أن وعي
الإنسان للحق، يمر بمراحل خلال فترات من الزمن ، فإنه على الدولة أن
تقوم بمبدأ الفصل بين الحق المطلق والقانون . هذا الفصل يستوجب مراجعة
القوانين وتعديلها ، بين فترة وأخرى، بما يتناسب مع ارتقاء العقل، ونضج
التجارب وتنمية الوعي لدى المجتمع ، من خلال ... وسيادة العقل النقدي،
ودعم الأسلوب العلمي للبحث والمعرفة من قبل الدولة ،كأداة لفتق الحجب
الفكرية وفسح المجال أمام الإنسان للبحث عن حقيقة الأمور لبلوغ كماله.
والملاحظ هو أن المذهب الوضعي، الذي يعتمد على
العقل، به جانب من الصحة ، ولكنه يتجاهل بأن الحق المطلق يصعب ، بل
يستحيل بلوغه من الناس . فالحق المطلق لا يوجد إلا في العلوم الإلهية
التي هي غاية العقل : لذلك فإن القانون ، حتى يكون أكثر تمثيلاً للحق،
يجب أن يتضمن مفاهيم ثلاثة : مفاهيم ثابتة إلهية ..مفاهيم طبيعية ..
مفاهيم عقلية .. واتباع مبدأ من عرف حدَّه ، عرف حقه ، وقول الرسول (ص)
: من عرف نفسه عرف ربه ،أي أن يعرف الخطأ ويتركه ويعرف الصواب ويتبعه .
حاشية رقم 6-الصعوبات
التي واجهت الدعوة :
من المعروف بأن الإنسان له جانبان :
الأول : جانب روحي يتعلق بإيمانه بالله ورسله
ودراسة ما جاءت به الرسل .
الثاني : جانب مادي يتعلق بقدرته على دراسة وتفسير
الحياة الاقتصادية وأحداثها وظواهرها بما لا يخالف الأوامر والنواهي
التي أتت بها الرسل .هذا التعريف يفسر قوله تعالى : وما خلقت الجن
والإنس إلا ليعبدون . فالعبادة توجب معرفة وجهها ، حتى يكون القيام بها
صحيحا .
لذلك فإن أهمية الإقتصاد الإسلامي تتجلى وتنطلق من
المنهج الواضح الموضوع للاستفادة من أخلاقية المسلم وتحويلها إلى طاقة
كبيرة وقوة دافعة لإعداد وبناء عملية التنمية ، بما يؤمن تخطيط سليم
للحياة الاقتصادية والاجتماعية ، لخلق مجتمع متكامل ذو درجة راقية في
التعاون والتكامل ...وذلك خلافاً للحالة الراهنة التي تتصف بالجهل
والتفرقة ...
وعليه فإن الصعوبات يمكن الاشارة اليها من النواحي
التالية :
1- إن ما تمّ خلال حياته (ص) قد لا يكون كافياً ، من
حيث المدة الزمنية، بسبب عدم النضج الرسالي لدى جميع المسلمين ، لدرجة
يضمن سلفا وجود شروط موضوعية لحسن التصرف في إدارة الأمور بعده، للتغلب
على التناقضات الكامنة في المجتمع، سواء من حيث انها بعد الهجرة لا
تتجاوز عقدين من الزمن مع صحابته الأوائل ، أو حوالي عقد بالنسبة الى
الكثرة الغالبة من الأنصار ، ولا تتجاوز ثلاث سنوات ، أو أربعة بالنسبة
للأعداد الهائلة التي دخلت الاسلام مؤخراً .
2-الوضع الذي كان عليه هؤلاء الذين شملتهم هذه التربية
كان مختلفاً ، من النواحي الفكرية والروحية والدينية والسلوكية ...من
حيث أنهم كانوا على سذاجة، وفراغ، وعفوية، في مختلف مجالات حياتهم
...مما يشير إلى أن عملية التغيير،يجب أن تكون في الجذور ، من أجل بناء
انقلابي لأمة جديدة ... كون الفاصل الزمني بين الوضع السابق والوضع
الجديد، كان ذو بعد معنوي هائل .
3-فترة الانتقال كانت تزخر بأحداث وألوان من الصراع
السياسي والعسكري بأشكال متعددة ، مما جعل طبيعة العلاقة بين الرسول
(ص) وصحابته لم تأخذ صفة المعلم أو المدرب المتفرغ لتلامذته فقط ، بل
كانت قيم تربوية أخلاقية تتناسب مع موقع الرسول كموجه، وقائد، وثائر،
على تقاليد تحتاج إلى تشذيب، لاتمام مكارم الأخلاق.
4-الدعوة النبوية تهدف الى ايجاد قاعدة شعبية واسعة
وصالحة ...لا تستطيع أية زعامة مناهضة ،(سواء في حياة المربي الأعظم
(ص) أو بعده)، بأن تتفاعل معها أو تُلغيها ...وذلك عن طريق تصعيد مستوى
الفهم والوعي لدى الأمة إلى المستوى المناسب ...وبالتالي اعتبار القول
: بولاية الامام علي (ع) هو الأساس .إلا أن الذين اسلموا قبل فتح مكة
أو بعده ...والذين أطلق عليهم (المؤلفة قلوبهم ) ، كان لهم أثر كبير في
تجدد ظهور النزعات القبلية ، وتأثيرها على اتجاه الدعوة .
مما سبق، نلاحظ ان الدعوة النبوية والتربية التي
تمت، كان لها الأثر العظيم، حيث خلقت تحولاً فريداً ،وأنشأت جيلاً
صالحاً قاده الإمام علي (ع) ، كونه كان أول من أسلم ... لقد كان مع
الرسول (ص) منذ بداية الدعوة ، بالاضافة إلى أنه شارك في الغزوات
الكثيرة التي جرت ضد الشرك وتيار البداوة والنزعات القبلية ، ومواجهة
الصراعات العائلية، والتوجهات الاجتماعية،المخالفة لتعاليم الإسلام
...وذلك كضرورة توجب التسليم والخضوع لنظام مركزي جديد. كذلك ساهم
باستبدال رابطة الدم والقرابة ، برابطة الدين والعقيدة ، واستبدال
الغزو بالجهاد ، والعرف بالشريعة ، والتمزق القبلي بوحدة الأمة
الاسلامية ...
حاشيةرقم7-الإمام عليّ مع الخليفتين أبو بكر الصديق
وعمر بن الخطاب (رض):
آ-مقدمة :
جاء في كتاب الإسلام والسلطان والملك للدكتور أيمن ابراهيم ... بأن
الخلفاء الراشدين الثلاثة، الإمام علي وأبو بكر وعمر، سعوا إلى تأسيس
كيان إسلامي ينادي بالمساواة والوحدة بين جميع المسلمين . إلا أن تنامي
التعدد السياسي والاقتصادي للارستقراطية القرشية التي دخلت الإسلام
مؤخراً ، قد أعاق تطور هذا الكيان ، وقاده بالتدرج إلى النزاعات . "
هذا التوتر كان بين هؤلاء الثلاثة الذين سعوا للحفاظ على الدولة
الاسلامية، وإرساء قواعد المساواة والشمولية الانسانية في
الاسلام...وبين اتجاه الارستقراطية القبلية القرشية "، التي نمت في عهد
عثمان . استطاع أبو بكر متابعة نهج الرسول (ص)، في توطيد دعائم الدولة،
وتمكن من متابعة تكوين الدولة وصمودها، كقوة أولى في شبه الجزيرة
العربية ...وهيأت الجو لانطلاق الفتوحات الاسلامية خارج الجزيرة
العربية ،التي بدأت بين القبائل ، وبالتالي ساهمت في رفع مستوى وحدة
القبائل، إلى سوية جديدة راقية ،في قتالها ضد الآخرين.
فالدعوة الإسلامية ، نادت بفكرة أساسية، وهي
ضرورة التكامل والتضامن الاجتماعي بين الأغنياء والفقراء . قال تعالى :
ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى
واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دُوَلة بين الأغنياء منكم
وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله
شديد العقاب .(7/59) .فالإسلام ، دعا إلى أن يكون الجميع سواسية في
العمل ، وفي أخذ نصيبهم من الفيء (الدخل)، دون الاعتراف بوجود أسياد
وعبيد ...بل دعت إلى دولة تُنظّم فيها طبقة المظلومين، وتحاكم الظالمين
، تمثل دولة ديمقراطية شعبية ، وليست دولة للأغنياء . فالأغنياء لوحدهم
يشكلون الأقلية الظالمة ، إذا لم يتقيّدوا بالقيم التي دعى إليها
الإسلام .
هذه الفكرة تشكل لب وجوهر الدعوة الاسلامية . لقد
كانت هذه الفكرة عربية القلب والقالب ، أعطت التقاليد العربية قالباً
جديداً ، لأن هاشم جد النبي محمد (ص) ، قد نادى بهذه الفكرة وسعى
لتحقيقها ، حيث حقق لهم الأمن ، ومستوى مناسب للمعيشة ، كما جاء في
سورة قريش بقوله تعالى : لإيلاف قريش ايلافهم رحلة الشتاء والصيف .
فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ...ويذكر
أيضاً أن جده عبد المطلب ،كان إيمانه نقياً تقياً في مناجاته عندما لجأ
إلى العلي الأعلى ، ونادى الله ، مناجياً له وضارعاً ضد أبرهة ، لا
هُمّ ، إن المرء يمنع رِحْلَه ، فامنع
رِحالك : فجاءت الضربة الماحقة ، إذ سلط الله على أبرهة وجنده ...
طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل .
ب-الإمام عليّ مع الخليفة أبي بكر :
وعلى أية حال فإن مبايعة أبي بكر كانت بداية
الخلافة للرسول (ص) ، حيث تمَّت على مبدأ وأمرهم شورى بينهم ، لقوله
تعالى : والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم
ومما رزقناهم ينفقون .(38/22) . هذه الخلافة جاء حولها الكثير من
حيث شرعيتها ، نظراً وعملاً بما قاله الرسول (ص) . في بيعة غدير خم ،
عندما جمع الناس وقال لهم : ألست أولى بكم من أنفسكمم !!قالوا بلى .
قال : من كنت مولاه فعليّ مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه
، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ... هذه البيعة تُعتبر بمُثابة أمر من
النبي (ص) بأن تكون الخلافة لعلي (ع) ، لقوله تعالى :
من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك
عليهم حفيظا .(80/4) .
وتجدر الاشارة إلى أن الإمام علي (ع)، كان يرى بأن
نشر الدعوة الاسلامية، هي الهدف الأسمى والأعلى من كل شيء ،وإنه يبتغي
رضوان الله، كما جاء في قوله تعالى : هو الذي أرسل رسوله بالهدى
ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا . محمد رسول الله
والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلاً
من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود..(29/48). لذلك
نراه كان يتآلف وينسق في تعامله مع من سبقه بالخلافة في أوجه الحق...
وبالمقابل كان أبا بكر وعمر يتعاونان معه ويستشيرانه في كثير من الأمور
، حتى إن عمر قال : لولا عليّ لهلك عمر ... وقال أبو بكرفي أول خطبة له
:بأني توليت أمركم ولست بخيركم ، وإذا أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني
... وقال أيضاً : كانت بيعتي فلته وقى الله الناس شرها . وجاء أيضاً
بأن عمراً قال : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها ، فمن عاد
إلى مثلها فاقتلوه .
وقال الإمام علي (ع) في خطبة له
: أما والله لقد تقمَّصها ابن أبي قحافة . وإنه ليعلم أن محلّي منها
محل القطب من الرحى . لا يرقى إليَّ الطير .فسدلت دونها ثوبا ، وطويت
عنها كشحا، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء ... إلى قوله : فرأيت أن
الصبر على هاتا أحجى . فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجا ، أرى
تراثي نهبا .
وعليه فإن نهج الإمام علي في خطبه، كان الحضّ على
مكارم الأخلاق من حيث الإيمان بالله، وترك ما كانوا عليه قبل الإسلام،
من عبادة الحجارة والأوثان ...والدعوة الى الصدق في الحديث ، وأداء
الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن التحاور ، والكف عن المحارم والدماء وسائر
الفواحش، وعدم قول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة .. والقيام
بالصلاة والزكاة والصيام ... وعلى سبيل المثال
نورد الخطبة التالية :
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . الأول
لا شيء قبله.والآخر لا غاية له . لا تقع الأوهام له على صفة ، ولا تعقد
القلوب منه على كيفية . ولا تناله التجزئة والتبعيض ، ولا تحيط به
الأبصار والقلوب ...إلى قوله: فالله الله أيها الناس فيما استحفظكم من
كتابه ، واستودعكم من حقوقه . فإن الله سبحانه لم يخلقكم عبثا ولم
يترككم سدى . ولم يدعكم في جهالة ولا عمى، قد سمّىَ آثاركم . وعلم
أعمالكم .وكتب آجالكم . وأنزل عليكم الكتاب تبيانا لكل شيء ، وعمّر
فيكم نبيّه أزمانا . حتى أكمل له ولكم فيما أنزل من كتابه ، دينه الذي
رضى لنفسه ، وانهى إليكم على لسانه محابّه من الأعمال ومكارهه .
ونواهيه وأوامره . وألقى إليكم المعذرة واتخذ عليكم الحجة ، وقدم
إليكم بالوعيد ، وأنذركم بين يدي عذاب شديد. وقال في خطبة أخرى
: فاستدركوا بقية أيامكم . واصبروا لها أنفسكم . فإنها قليلٌ في كثير
الأيام التي تكون منكم فيها الغفلة . والتشاغل عن الموعظة ولا ترخّصوا
لأنفسكم فتذهب بكم الرُّخص مذاهب الظلمة . ولا تُداهنوا فيهجم بكم
الادهان على المعصية. عباد الله إنَّ أحسن النّاس لنفسه أطوعُهُم لربه
. وأنّ أغشَّهُم لنفسه أعصاهم لربه . والمغبون من غبن نفسه . والمغبوط
من سلم له دينه . والسعيد من وُعِظَ بغيره . والشقَّي من انخدع لهواه
وغروره ، واعلموا أن يسير الرّياء شِركٌ . ومجالسة أهل الهوى منساةٌ
للإيمان . ومحضرة للشيطان، جانبوا الكذب فإنه مُجانبٌ للإيمان. الصادق
على شفا منجاةٍ وكرامةٍ . والكاذب على شرف مهواةٍ ومهانةٍ . ولا
تحاسدوا، فإنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب . ولا تباغضوا
فإنها الحالقة . واعلموا أنّ الأمل يُسهي العقل ويُنسي الذكر . فأكذبوا
الأمل فإنه غرورٌ، وصاحبه مغرورٌ .
وهكذا نلاحظ بأنه عليه السلام ، كان قبل استلامه
الخلافة يوصي الناس، وجوب التَّمتع بمكارم الأخلاق، من صدق في التفاعل
الوجداني، والتعامل مع ما جاء في القرآن الكريم، على المستوى الفردي
والجماعي، لتكون كلمة الله هي العليا ،عملاً بما جاء في الآية الكريمة
: هو الذي أرسل رسول بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله
شهيدا .
وتجدر الإشارة إلى أن النمط الأساسي في نهج الإمام
علي (ع)، يتضمن الخطب والأوامر والمواعظ ، والرسائل والحكم، للتذكير
بأن الله عالم الغيب، يرى الخلق ويكتب ما قدّم كل واحد، وما أهمل وما
أخطأ ...وإنه يحاسبهم في الحياة الدنيا، أو يكافئوهم تمهيداً وتذكيراً
بيوم الحساب . فالله سبحانه يمهل الإنسان، كي يتذكر ويتوب من أخطائه
... ولا يهمل معاقبته ومحاسبته ، هذا التوجه في الخطاب ينِّمي عند
الإنسان الوعي والوجدان ، على المستوى الفردي والجماعي ، ويختلف كلياً
عما يحتويه خطاب من لا يؤمن بالله ، أو يعتبر نفسه خليفة الله ، ويعمل
ما يريد لا حساب ولا عقاب ولا ضمير ، كما فعل جورج بوش ، عندما قال بأن
الله زاره في البيت الأبيض، وأمره بغزو العراق ، وما رافق ذلك من قتل
وتشريد وجرح بضعة ملايين...عدا عن تخريب البلاد وانهيار اقتصادها.
ج-الإمام عليّ مع الخليفة عمر بن الخطاب (رض) :
ذكرنا سابقاً بأن الامام علي (ع)، كانت جميع
مواقفه الحربية والسياسية والاجتماعية ،لاعلاء كلمة الله ... سواء كانت
حالته في مواقف الغضب و الأسى ، أو حالة الاطمئنان، لأنه كان يتصرف كما
جاء في خطبة له : خالطوا الناس مخالطةً ، إن متُّم معها بكوا عليكم .
وإن عشتم حنّوا إليكم ...لذلك فإنه كان عليه السلام ، ذو تقدير عند
جميع من عاشره أو استوعب كلامه .
لتوضيح ذلك، نذكر خطبتين الأولى عندما استلم عمر
الخلافة, والثانية أثناء خلافته عندما سار على نهج الرسول (ص) .
الأولى : حتى مضى الأول لسبيله ، فأدلى بها إلى ابن
الخطاب بعده . فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته . إذ عقدها لآخر بعد
وفاته .لشد ما تشطّرا ضرعيها .
فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كَلمُها ويخشُن مَسُّها . ويكثر العثار
فيها . والاعتذار منها . فصاحبها كراكب الصَّعبة . إن أشنق لها تخرم .
إن أسلس لها تقحّم .فمُنيَ الناس لعمر الله بخبط وشماس ، وتلّونٍ
واعتراض . فصبرت على طول المدة وشدّة المحنة.
الثانية :وقال في خطبة يمدح بها عمر (رض) قال :
لله بلاد فلان . فقد قوّم الأود . وداوى العمد .
وأقام السنة وخلَّف الفتنة . ذهب نقي الثوب . قليل العيب . أصاب خيرها
. وسبق شرَّها . أدى إلى الله طاعته ، واتَّقاه بحقه . رحل وتركهم في
طرق متشعبة . لا يهتدي بها الضال ، ولا يستعين المهتدي.
وبالمقابل فإن عمر كان يستشيره في كثير من الأمور .
منها عندما كان ينوي أن يغزو بلاد الفرس ، حيث نصحه في خطبة له :
إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكُثرة ولا
بِقلّة ، وهو دين الله الذي أظهره ، وجنده الذي أعدّه ...إلى قوله :
والعرب اليوم وإن كانوا قليلا ، فهم كثيرون بالاسلام ، عزيزون
بالاجتماع ، فكن قطبا ، واستدر الرحى بالعرب ، وأَصْلِهم دونك نار
الحرب ، فإنك أن شخصت من هذه الأرض انتفضت عليك العرب ،من أطرافها
وأقطارها . حتى يكون ما تدع وراءك من العورات ، أهم إليك مما بين يديك
. إن الأعاجم ، إن ينظروا إليك غدا، يقولوا هذا أصل العرب ، فإذا
اقتطعتموه استرحتم فيكون ذلك أشد لِكَلَبهم عليك ، وطمعهم فيك . فأما
ما ذكرت من مسير القوم إلي قتال المسلمين ، فإن الله سبحانه هو أكره
لمسيرهم منك ، وهو أقدر على تغيير ما يكره ، وأما ما ذكرت من عددهم
،فإن لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ، وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة
.
كذلك استشاره عمر في الخروج الى غزو الروم بنفسه ،
فنصحه بعدم المسير بقوله : إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك قتلتهم ،
فتُنكب ، لا تكن للمسلمين كانِفَة ( أي جهة تعتصم بها ) دون أقصى
بلادهم . ليس بعدك مَرِجع يرجعون إليه . فابعث إليهم رجلاً محرَّبا
(صاحب حروب ) . واحفز معه أهل البلاء والنصيحة . فإن
أظْهَرَ الله ، فذاك ما تُحب ، وإن
تمنى الأخرى ، كنت ردأً للناس ، ومثابة للمسلمين .
وهذا يشير إلى أن مواقف عمر والإمام علي (ع) كثيراً
ما كانت متطابقة ، وآراءهما وتصوراتهما في القضايا الكبرى كانت تتفق
دائماً ، وإلى أنهما كانا يحملان رؤية متقاربة الى الإسلام كدين ، وفي
تنظيم معاملات الناس بموجب تعاليم هذا الدين . كما قال السيوطي في
تاريخ الاسلام ص 66 . هذا التطابق كان يظهر أثناء المشاورات ، لتنظيم
الفتوحات ، وأثناء البت في أمر توزيع ما يصل إلى بيت المال ، وفي مسألة
عدم تقسيم الفيء على المقاتلة ...والخلاف بين الثلاثة كان فقط في
مسألة الأحقية في الخلافة .
حاشية رقم 8 : موقف الامام علي مع الخليفة عثمان :
أشرنا سابقاً إلى أن موقف الإمام علي (ع) ، في عهد
الخليفتين أبو بكر وعمر في مسيرتيهما ، كانت أقرب إلى النهج الذي كان
عليه في عهد النبي (ص) . ذلك لأن مواقفهما كانت أمام النزعات القبلبية
، والمنافقين والمؤلفة قلوبهم ، واضحة وشديدة الالتزام بالنهج القرآني
والسيرة النبوية ، وفي تنظيم معاملات الناس كما ذكرنا .
أما في عهد الخليفة الثالث ، فقد ابتعد عثمان ،
ابتعاداً كبيراً عن سنّة الرسول وسنّة الخليفتين . ويُذكر بأن عثمان
استشار علي (ع) في أمر عبيد الله بن عمر الذي قتل الهرمزان الذي اشتبه
به بأنه تواطأ مع من قتل أبيه . ولكنه لم يأخذ بمشورة عليّ (ع) ،
وأرسله إلى العراق دون أن يدفع الدية ، لأن القاتل كان أبو لؤلؤة
فيروز.
وجاء في الروايات بأن كبار الصحابة تشاوروا فيما
بينهم، من أجل العمل على حل الأزمة ابتغاء الحيلولة ضد تفاقمها ،والتي
كانت تزداد عُنفا يوماً بعد يوم ، وقرروا أن يطلبوا من علي (ع) أن
يحادث عثمان في الأمر وأن ينصحه لتلافي مواجهة المحنة ، قبل أن تفلت
الأمور من عقالها . ويذكر بأن عليّ (ع) دخل على عثمان وخاطبه قائلاً :
الناس ورائي وقد كلّموني منك ، والله ما أدري ما أقول لك ، وما أعرف
شيئاً تجهله ، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه ، إنك لتعلم ما نعلم ، ما
سقناك إلى شيء فنخبرك عنه ، ولا يحلو لنا شيء فنبلغكه ، وما خُصصنا
بأمر دونك ، وقد رأيت وسمعت وصحبت رسول الله (ص) ، ونلت صهره ، وما ابن
أبي قحافة بأولى بعمل الحقّ منك ، ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير
منك ، وإنك أقرب إلى رسول الله (ص) رحَمَا ، ولقد نلت من صهر رسول الله
(ص) ما لم ينالا ، ولا سقناك إلى شيء ، فالله الله في نفسك ، فإنك
والله ما تُبصر من عَمَىَ ، ولا تُعلَّم من جهل ، وإن الطريق الواضح
بيّن ، وإن أعلام الدين لقائمة ، تعلَم يا عثمان إن أفضل عباد الله عند
الله إمام عادل هُديَ وهَدَى ، فأقام سنةً معلومة ، وأمات بدعةً متروكة
، فوالله إن كُلاً لبَيِّن ، وإن السُّنن لقائمة لها أعلام ، وإن
البِدع لقائمة لها أعلام ، وإن شر الناس عند الله إمام جائر ، ضَلَّ
وضُلَّ به فأمات سنّة معلومة وأحيا بدعةً متروكة .
وجاء أيضاً في نهج البلاغة ،إن عثمان لما كثرت
شكايته من علي (ع) أصبح يشكو علياً الى كل من دخل إليه من أصحاب
الرسول (ص) . فقال له زيد بن ثابت الأنصاري ، أفلا أمشي إليه فأخبره
بموجدتك فيما يأتي إليك ، قال بلى !! فأتاه زيد ومعه المغيرة بن
المخنّس الثقفي، وأمه عمة عثمان في جماعة ...وقال زيد : أما بعد ، فإن
الله قدم لك سلطانا صالحاً في الإسلام ،وجعلك من الرسول بالمكان الذي
أنت به ، فأنت للخير كل الخير أهل ، وأمير المؤمنين عثمان ابن عمك
ووالي هذه الأمة ...وقد مشينا إليك نصيحة لك ، وكراهية أن يقع بينك
وبين ابن عمك أمراً نكرهه لكما .فقال علي (ع) : أما بعد ، فوالله ما
أحب الاعتراض ولا الردّ عليه ، إلا أن يأتي حقاً لله ، لا يسعني أن
أقول فيه إلا الحق ، ووالله لأكفنَّ عنه ما وسعني الكف . فقال المغيرة
بن الأخنس ،وكان رجلاً وِقاحاً ،وكان من شيعة عثمان وخلصائه ، قال :
إنك والله لتكفنَّ عنه ، أو لتكفن فإنه أقدر عليك منك عليه ... فقال له
علي (ع) : يا ابن اللعين الأبتر، والشجرة التي لا أصل لها ولا فرع ،
أنت تكفَّني ، فوالله ما أعز الله أمرأً أنت ناصره ،ولا أبقى من أنت
منهضه ، أخرج أبعد الله نواك ، ثم أَجهد جهدك فلا أبقى الله عليك ، ولا
على أصحابك إن أبقيتم . فقال زيد : والله ما جئناك لنكون عليك شهوداً ،
ولكن مشينا التماساً للأجر...وقام وقاموا معه...هذا وتجدر الإشارة
إلى أن القاعدة التي كانت سائدة وسار عليها النبي ، ومن تبعه بإخلاص
تقضي :
-
إذا كان الرسول (ص) قد حظَّر شيئاً أو أباحه ، لم يكن
لأحد أن يجتهد في إباحة المحظور ، أو حَظْر المباح . وإن من يُجوِّز
الاجتهاد في الشريعة ، لا يقدم على مثل هذا ، وإنما يُجَّوز ما لا نصَّ
فيه .
-
الإمام وليّ من لا وليَّ له ، إذا أخطأ له أن يعاقب ،
أو أن يعفو .
-
ليس للإمام ولا غيره أن يجتهد في الأحكام ، ولا يجوز أن
يعمل فيها إلا على النص .
أما بالنسبة لعثمان ، فقد خالف هذه القواعد. وقد
أوجزها ابن أبي الحديد:
1-
أنه ولّى على أمور المسلمين من لا يصلح لذلك ، ومن ظهر
منه الفسق والفساد وعدولا عن حرمة الدين والمسلمين .
2-
سلَّم الحَكَم بن أبي العاص الولاية ، وهو طريد رسول
الله ، بعد أن امتنع أبو بكر وعمر عن ذلك ، فصار بذلك مخالِفاً للسنة
والسيرة، وكان عمر قد نصحه وحذّره من ابن أبي العاص وقال : والله
ليحملنّ أبي معيط على رقاب الناس ، والله إن فعل ذلك ليقتلنّه .
3-
كان يؤثرأهل بيته بالأموال العظيمة ، خلافاً لمن سبقه
...أي إيثار الأقارب ، وإعطاء المال صلةً للرحم من بيت مال المسلمين .
4-
جعل حِمى المسلمين (الأملاك العامة ) ، بعيدة عن
المسلمين وخاصة لإبله .
5-
خالف أحكام الله في توزيع المال ، على جهة مخصوصة
...وضرب ابن مسعود صاحب رسول الله ،لأنه نصحه وقال له : أصدق القول
كتاب الله ، وأحسن الهدى هُدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل مُحدث
بدعة، وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار .
6-
أحرق المصاحف ، وأبطل ما لاشك أنه نزل من القرآن وإنه
مأخوذ عن الرسول (ص)،ولو كان ذلك جائزاً ،لسبقه أبو بكر وعمر.
أقدَم بالضرب على عمار بن ياسر ، وقال عنه : قتلنا
كافراً وكان عثمان يقول : لنأخذ حاجتنا من هذا الفيء ، وإن رغمت به
أنوف أقوام ... فقال عمار : أشهد الله أن أنفي أول راغم من ذلك . وهو
من قال فيه رسول الله (ص) : تقتله الفئة الباغية. وكذلك اقدامه على نفي
أبي ذر الغفاري ، لأنه قال : المال مال المسلمين ، وهو من قال عنه رسول
الله: ما أقلّت الغبراء ولا أظلّت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي
ذر.
حاشية رقم 9-دور كل من العلماء والعوام في تطبيق
الأوامر
:
قال الإمام الصادق (ع) : لا دين لمن دان لله بولاية
إمام جائر ، وليس من الله، ولا عتب على من دان لله بولاية إمام عادل
... قال السائل: لا دين لأولئك ولا عتب على هؤلاء.... قال : نعم ... ثم
قال : ألا تسمع قول الله عز وجل : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من
الظلمات إلى النور ... يعني من ظلمات الذنوب إلى نور التوبة والمغفرة،
لولايتهم كل إمام عادل من الله عز وجل ، وقال: الذين كفروا أولياؤهم
الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات... إنما عني بهذا أنهم كانوا
على نور الإسلام ، فلما تولوا كل إمام جائر، فإنهم خرجوا بولايتهم من
نور الإسلام إلى ظلمات الكفر، وبذلك قد أوجب لهم النار مع الكفار ...
وقد أضيف برواية أخرى : وأي نور للكافر، فهو كافر وان ما خرج منه إلى
الظلمات ... فأعداء أمير المؤمنين هم الخالدون في النار، وإن كانوا في
أديانهم على غاية الورع والزهد والعبادة....
لزيادة في التوضيح ،من أجل فهم دور كل من العلماء
والعامة ، نشير إلى ما جاء في تفسير القرآن (الصافي وبيان السعادة ) ،
من أن رجلا قال للصادق (ع): إذا كان هؤلاء العوام من اليهود لا يعرفون
الكتاب إلا بما يسمعونه من علمائهم ،ولا سبيل لهم إلى غيره، فكيف ذمهم
الله بتقليدهم والقبول من علمائهم!!! وهل عوام اليهود، إلا كعوامنا
يقلّدون علماءهم!!! فإن لم يُجز لأولئك القبول من علمائهم، فهل يجوز
لهؤلاء القبول من علمائنا؟ فقال الصادق (ع): يوجد بين عوامنا وعلمائنا
، وبين عوام وعلماء اليهود ، فرق من جهة وتسوية من جهة. فمن حيث
السواسية ( التسوية ) فان الله قد ذمّ عوامنا بتقليدهم
علماءهم، كما ذمّ عوامهم، أما من حيث الافتراق ( الاختلاف) فلا... قال
الرجل : بيِّن لي ذلك ياابن رسول الله (ص)...
قال الصادق (ع): إن عوام اليهود كانوا قد عرفوا
علماءهم بالكذب الصراح ، وبأكل الحرام والرشا، وبتغيير الأحكام عن
وجهها، بالشفاعات والغايات والمصانعات ... وعرفوهم بالتعصُّب الشديد ،
الذي يفارقون به أديانهم ...
وإنهم إذا تعصَّبوا ، أزالوا حقوق من تعصّبوا عليه ،
وأعطوا مالا يستحقه لمن تعصبوا له من أموال غيرهم وظلموهم من أجلهم،
وعرفوهم يقارفون المحرّمات ، واضطروا بمعارف قلوبهم ، إلى أن من فعل ما
يفعلونه فهو فاسق ، لا يجوز أن يصدق على الله ، و لا على الوسائط بين
الخلق وبين الله ؛ فلذلك ذمهم ، لما قلّدوا من قد عرفوا ، ومن قد علموا
أنه لا يجوز قبول خبره ، ولا تصديقه في حكايته، ولا العمل بما يؤديه
إليهم ، عمَنْ لم يشاهدوه، ووجب عليهم النظر بأنفسهم، في أمر رسول الله
(ص) ، إذ كانت دلائله أوضح من أن تُخفى ، وأشهر من أن لا تظهر لهم .
قال تعالى :فبما نقضهم ميثاقهم لعنَاهم
وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به .
(13/5) .
كذلك فان عوام أمتنا، إذا عرفوا من فقهائهم الفسق
الظاهر، والعصبية الشديدة ،والتكالب على حطام الدنيا وحرامها، وإهلاك
من يتعصبون عليه ،وإن كان لإصلاح أمره مستحقَّا ، بالترفق والبر
والإحسان على من تعصبوا له ، وإن كان للإذلال والإهانة مستحقَّا، فمن
قلَّد من عوامنا ، مثل هؤلاء الفقهاء ، فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله
بالتقليد لفسقة فقهائهم . أما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه ، حافظا
لدينه ، مخالفا على هواه ، مطيعا لأمر مولاه ... فللعوام أن يقلّدوه
... وذلك لا يكون إلا لعدد قليل من الفقهاء ، لا جميعهم، فإن من يركب
من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة ، فلا تقبلوا منهم عنا
شيئا ولا كرامة لهم .
قال الإمام علي (ع): لا يصلح المؤمن إلا على ثلاث
خصال:التفقه في الدين ، وحسن التقدير في المعيشة، والصبر على النائبة
كما حدد القواعد والأحكام ، التي تساعد على دوام العلم وانتقاله من جيل
لآخر، كنتيجة لوجوب قيام الدنيا وبقاء نظامها ، وذلك في حديثه لجابر بن
عبد الله الانصاري قال: يا جابر، قوام الدنيا بأربعة: عالم مستعمل
علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم ، وجواد لا يبخل بمعروفه ، وفقير لا
يبيع آخرته بدنياه، فإذا ضيّع العالم علمه، استنكف الجاهل أن يتعلم ،
وإذا بخل الغني بمعروفه ، باع الفقير آخرته بدنياه. يا جابر، من كثرت
نعم الله عليه ، كثرت حوائج الناس إليه، فمن قام لله فيها ، بما يجب
فيها ، عرَّضها للدَّوام والبقاء ، ومن لم يقم فيها بما يجب، عرَّضها
للزوال والفناء .قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا
مع الصادقين .(119/9).فالصدق له مراتبه الستة وهي : الصدق في القول
، الفعل ، العزم ، الوفاء بالعهد، تساوي إقامة الظاهر والباطن ، الصدق
في مقامات الدين ..فالصادقون هم الأئمة الطاهرون ،وكذلك الداعون
للاقتداء بهم.
العنــــوان
-
نهج البلاغة للإمام عليّ (ع)....عبد الحميد بن أبي الحديد ، دار الهدى
الوطنية - بيروت
-الاسلام
والسلطان والملك ... د. أيمن ابراهيم ، دار الحصاد للنشر
والتوزيع.
- الاسلام والثروة ....... عبد العزيز الكحلوت ،منشورات صحيفة
الدعوة الاسلامية.
- غزوات أمير المؤمنين ......الشيخ جعفر نقدي ، منشورات المطبعة
الحيدرية.
- دولة الرسول في المدينة . د. صالح أحمد العي ، شركة المطبوعات
للتوزيع والنشر.
- خلفاء الرسول ............. خالد محمد خالد ، دار الفكر بدمشق
.
- النظام السياسي في الإسلام ... باقر شريف القرشي ،دار المعارف
للمطبوعات-بيروت
- اقتصادنا ........ السيد محمد باقر الصدر ، دار
المعارف للمطبوعات .
- الاسلام سياسة وعقيدة ...مكسيم رودنسون ، ترجمة أحمد صقر،دار
عطية –بيروت .
- الاسلام الحي ....روجيه غارودي ، دار البيروني- بيروت .
- تاريخ الخلفاء .....جلال الدين السيوطي ، دار الكتب العلمية –
بيروت .
- عهد الأشتر.....الشيخ محمد مهدي شمس الدين ، مؤسسة الوفاء –
بيروت .
- صور من حياة الرسول ...أمين دويدار، دار المعارف بمصر.
- ماذا في التاريخ مجلد 1/75 ... الشيخ محمد حسن القبيسي .
المحاضر الدكتور ابراهيم عيسى
من مواليد 1935 بانياس الساحل
بعد أن استقر وضعه العام : تابع دراسته
الجامعية في جامعة دمشق –كلية التجارة وتخرج عام 1965 ، اتبع دورة في
معهد التخطيط أقامتها الأمم المتحدة ، ذهب على أثرها عام 1971 في دورة
تدريبية إلى بولونيا،وهناك تابع دراسته ونال الماجستير والدكتوراه في
التخطيط الاقتصادي .
له دراسات ومقالات متعددة حول التنمية
الاقتصادية والوحدة العربية ، كما ألف كتاباً بعنوان دعوة الى معرفة
النفس .
[1] دراسة الكتب
المقدسة في ضوء المعارف الحديثة والعلم
[2] 1-راجع
الحاشية رقم 7 .
1-[3] -انظر الحاشية رقم 5
تشكيل الدولة الاسلامية
2-العلم اللدني والنظري : يقول
أهل التصوف : ان النبي المختار المصطفى ،ما لم يكن في حاجة الى
العلوم العقلية أو النظرية لتعلمها ، لقد خلقت معه . لذلك لا
توجد ضرورة الى معلم . هذه العلوم هي موارد الحق تبارك وتعالى
تتوالى على قلب وهبه الله لإرواح البررة ،فتتنزل عليه من عالم
غيبه . وإنه لَقَلٌب ذكي مختار ، قابِل على الدوام للتلقي ،
وإنه لروح أعدّه واصطفاه ربه ، لأكمل ما يُصطفى العلماء من
الأنبياء . أن هذا الفيض الرباني يتوالى عليه ، لا بطر شاربه
،ولا بغلٍ يوجهه ، ولم يلقن من قبل علماً دنيويا يزاحم به
ويفاخر ...ولكن عناية الله ، وهي سر هؤلاء الرجا ل، والدعامة
الأولى التي ترتكز عليها حياتهم ...وقد شهد القرآن بأنه أُوتي
من لدن ربه علما وقوله تعالى : هو الذي ينزل على عبده آيات
بينات لخرجكم من الظلمات الى النور .
قال أحمد أمين في كتابه
التكامل في الاسلام ص 412 : قال رسول الله (ص) : من أراد أن
ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في عبادته ، وإلى ابراهيم في
خلته ، وإلى موسى في هيبته ، وإلى عيسى في زهده ، وإلى يحيى في
ورعه ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب . فَعلِمُ عليّ (ع) من علم
رسول الله (ص)، وهو علم ينتقل من نبي إلى وصيّ ، ومن ولي إلى
وليّ ، بطريق لا يعرفه أو لن يعرفه علماء العصر الحاضر ما
داموا في حقيقة المادة .إن هذا النوع من العلم نور إلهي، لا
يعلم حقيقته علماء آثار النفس ، كما أن علماء الذرة يجهلون
حقائق الذرة وأسرارها مهما بلغوا من العلم ، وكجهلهم حقيقة
الأشعة الكونية ، لأنهم يحومون حول الظواهر ، وهم في معزل عن
الحقيقة والواقع . إنه علم لدني لا يحتاج إلى وضع معادلات ؛
إنه علم ارتجالي دون تروٍّ أو تفكير .
[4]
1- من أراد التفاصيل فليراجع دولة الرسول (ص) في المدينة ص 311
|