قصيدة الدكتور رضا رجب



 

 

بلاغة الحق

بسم الله الرحمن الرحيم

ورثت حبّك عن آبائي الأُوَلِ

فكان شعري كحبّي غير مُنتحَلِ

أنت الجواب الذي تختار أسئلتي

إلى شذاه المصفّى أوضح السُّبُل

وحين أفتح أيّامي أراك بها

ياقوتة الحق في أجيادها العُطُل

ظمأى قوافيّ لولا أن سكبت بها

برد اليقين فما علي وما نهلي؟

يا صوت كل ضمير لا سواد به

وباب من يبتغي علماً بلا زلل

وأنت قلت: سلوني والسؤال على

 فم الزمان نشيد العالم الأزلي

فبالمساواة تنجي الكون من عوز

وبالبلاغة تحمي القول من خطل

تفلسفوا فيك حتى صرت أسئلةً

لا تنتهي وبياناً غير محتمل

تخاصموا فيك حتى لم يعد أحدٌ

إلا ومن بعض ما أوتيت في شغل

تحيّروا فيك.. أرشدهم إليك بما

أُعطيته من وصايا الله للرسل

تأوّلوك فأعشاهم سناك فيا

لمعشرٍ قد أضاعوا العمر بالجدل

ولو أطاعوك ما زلّت بهم قدم

ولا أصيبت عقول القوم بالشلل

ولم تكفّر دعاة الجبر مرجئةٌ

ولا تخاصم صوفيٌّ ومعتزلي

يا أفضل الخلق بعد المصطفى صفةً

كلاكما بلسم الأرواح لم يزل

من نبعة النور لا فرّقت بينكما

ومن يفرّق بين الشمس والطَّفل؟

ما الأمس؟ ما حاضر الدنيا وما غدها

إن لم يجدك بنوها النور في المقل؟

ما ضاقت الأرض لولا ظلم ساستها

وما تعانيه من جهل ومن دجل

وما يسُنُّ قويٌّ للضعيف بها

وما يدبّر فيها الذئب للحمل

وما يزخرف فيها الأغنياء وما

يزان من عورٍ فيها ومن حول

حسنٌ يصبَّغ كي تغرى العيون  به

حتى ليستبدل التكحيل بالكحل

وما السياسة في شرع العلى حيلٌ

ما أحقر النصر- مهما كان- بالحيل

وما أخس من استعدى الغريب ومن

أفتى وقال لهذي الأمة: اقتتلي

من بعض نعماء جبّار السماء على

ممن يصطفيه ثبات القول والعمل

وأنت فينا أمير النحل واعجبى

ممن يصحّف بين النحَّل والنِّحل

يا صرخة الحق في نهج البلاغة.. يا

صدق السياسة.. يا الأخلاق في رجل

مستقبل الكون مرهونٌ بحاضره

وأنت في كل أمرٍ مضرب المثل

هل في الشجاعة من جاراك مقدرةً

إذا التقى البطل المقدام بالبطل؟

هل في الفصاحة من جاراك مقدرةً

وقد جرى النور في الألفاظ والجُمل؟

هل في الزهادة من جاراك معتكفاً

والليل مخضوضلٌ من دمعك الهطل

في بردتيك جلالٌ لا حدود له

ومن يحدَّ فضاء الحق والمثل؟

وحق كل عليل أن يراك له

نعم الدواء ليستشفي من العلل

وحق كلِّ طريد أن يراك له

نعم الملاذ.. وطاب النور من نُزُلِ

وكلُّ شاكٍ وإن جلَّت شكايته

يراك موئله في خطبه الجلل

وكلُّ نفسٍ وإن أوزارها ثقلت

يشفي مواجعها حبُّ الإمام علي

أبا تراب لقد بعنا كرامتنا

لمشتريها وبعنا نخوة الأسل

وصار عيباً على الأحرار أن جبهوا

بوارج الحقد بالخطيّة الذُّبُل

أبا تراب لقد صار الوجود بلا

شرعٍ وصار التجنّي منطق الدول

وصار للقتل والتدمير فلسفةٌ

يفتي بها كلُّ دجّالٍ ومبتذل

وصار عرض كرام الناس منتهكاً

والبعض قد غرِقوا خوفاً من البلل

ونحن في الشرق غربانٌ مكسّرة

تمرُّ أيامنا نوحاً على طلل

وربَّة الكفر أمريكا تحضِّرنا

لكي نعود رعاة النُّوق والإبل

تصوغ لكن بإتقانٍ معاركنا

وبعضها صرعةُ الأديان والملل

 

 

صار الغزاة على مترين من حلبٍ

ونحن نبحث في صفين والجمل

يا هادم اللات والعزّى.. لقد رجعا

وليس يشبه أمريكا سوى هُبَلِ

 

 

تفنن القوم في استرضائها ومضوا

يبررون خطاياها بلا خجل

وكل مجزرةٍ تفضي لمجزرة

آخرى ومعتقل يفضي لمعتقل

يا هازم الشرك هذي خيبر ضرِيَت

وأحرقت كل هذا الشرق بالشعل

ووزعتنا سبايا في خرائطها

وألبستنا ثياب الذل والكسل

فجرّد الآن فينا ذا الفقار ومن

إلاك يطفيء جمر اليأس بالأمل؟

وأيقظ الوعي في وجدان من رقدوا

لكي تُقَوِّمَ ما في الكون من مَيَلِ

لن يصلحوا خللاً إلا إذا اعتقدوا

بأنّ نهجك ينجيهم من الخلل

وليس ثمّة درعٌ يُستعانُ بها

إلا ولاءك في حلٍّ ومرتحل

ويومك اليوم يا الشمس اسطعي أبداً

ويا الوجود بهذا المولد احتفِلِ

قصيدتي يا أبا السبطين شرَّفها

لك انتماءٌ كساني أشرف الحُلل

أصفيتها لأمير المؤمنين ففي

حروفها ما ببال النَّحل من عسل

وصنتها من عيون العابثين بها

كما تصان الحسان الغيدُ بالكِلَلِ

قبستُ من نهجه سحر البيان وما

- وليتني- ينبغي فنُّ البلاغة لي

وكيف يصعد من قصّت قوادمه

والحبُّ ريش خوافيه إلى زحل؟

سلسلتُ من خلجات الروح أغينة

ترفُّ في مهج العشّاق كالغزل

شفيعُها أنَّها بالحب غارقةٌ

وعذرها أنها جاءت على عجل

وربما راح يطريها أخو شجنٍ

فمرَّ فيها مرور الشارب الثمل

والبدر يغري سناه وهو مكتمل

للناظرين ويغري غير مكتمل

وكاد نور أبي الأنوار.. يصعقني

من  بعضِ بعضِ تجلِّيه على الجبل

ورحتُ أسعى لمرضاةِ الإمام بها

إن كنتُ أخفقتُ في المسعى فوا خجلي


 حلب