|
أسباب
الفقر وطرق المعالجة عند الإمام علي عليه السلام
.JPG)
بسم الله الرحمن الرحيم
(
وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا
خسارا)[1]
هنالك بوتٌ شاسع ما بين تصورات بشرية تنتهي إلى صياغة نظريات لمعالجة
أزمات الإنسان في الحياة، وما بين وحي الله وهدى الرسالة وبصيرة
الأنبياء والأولياء.
فالنظرية تبقى في إطار التنظير والتصور، لا تتجاوز حدود الكلام
والكتابة إلا وتصطدم عملياً وتطبيقياً بصخرة الواقع، فسرعان ما تتراجع
القهقرى ويضطر أصحابها أن يلجؤوا إلى الطريقة الترقيعية التي قد تحتل
أصل النظرية وتغيّرها تماماً، وبمعنى آخر إنهم يعالجون علاجهم الذي
وصفوه بالمنقذ والشافي والمخلّص من أزمة الحياة الاقتصادية، وذلك لأن
التصورات البشرية أي النظريات العلاجية هذه تفتقد لأساسين رئيسيين
يشكلان صدقية المعالجة الجذرية لا التجريبية المكررة، والأساسان هما:
الأساس الأول: الإحاطة التامة بالإنسان هذا المخلوق المزدوج في طاقاته
وإمكانياته والمزدوج في حاجياته ومتطلبات سعادته، وذلك ليتلاءم المنهج
الإنقاذي مع تكوينه في الحياة.
إن
النظرية الرأسمالية كما النظرية الماركسية كما سننظر الوسطية بينهما
أخذت مساحة زمنية ومكانية كافية وجرّبت نظريتها الاقتصادية فاصطدمت
بواقع الفطرة الإنسانية أولاً، لأن الخالق الكريم أودع في الإنسان
مجموعة قيم وضوابط تولد معه تؤهله لموقع خلافة الله على الأرض، يطالبنا
الله أن تبقى هذه الفطرة نقية من الآثام وطاهرة من الشوائب والوساوس.
يقول سبحانه: ( فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك
الدين القيّم)[2].
فالرأسمالية سقطت في أزمة فكرية قاتلة لأنها ألّهت المادة والقوة
والمال والسلطة من دون الله فبنت الحجر وتقدمت بالصناعات لكنها تنكرت
لقيم الفطرة وللروح الإنسانية ومعاني الخلق والمثل والأحاسيس النبيلة
نحو الضعفاء والفقراء خصوصاً.
فحضارتها المعدنية جميلة المظهر لكنها خاوية الجوهر كلها قلق واضطراب
وصراع.
والماركسية تصورت بنظريتها أن الملكية الخاصة هي التي تغذي غريزة حب
الذات في الإنسان، فإذا انتزعت صفة الملكية الخاصة سيتم القضاء على
غريزة حب الذات من ذات الإنسان وسيعيش الناس في حالة المساواة والعدالة
وسينتهي الفقر والبؤس والحرمان ولكنها أخطأت أيضاً، لأن النزعة الفردية
حالة خلقية تولد مع الإنسان فلا يمكن قلعها وإزالتها.
بينما يأتي الإسلام ليضع المعالجة العلمية النابعة من الله سبحانه الذي
يقرّ بالفطرة، وبتكوين الإنسان – المزدوج من التقوى والفجور- ويوضح له
طريق الخلاص في دار الابتلاء والاختبار والامتحان ( ونفس وما سواها
فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها)[3].
ويرسم له طريق التنمية بالشكل الطبيعي في إطار البناء وتنمية المال
وتطوير وسائل الإنتاج ليعيش الإنسان حياة السعادة والرفاه لهذه الدنيا
وأن تكون ممراً ومعبراً لسعادته الأبدية في الدار الآخرة.
الأساس الثاني: موضوع القدوة الميدانية المطبّقة للفكرة بنجاح مشهود.
ونقول باختصار إن نظريات البشر النابعة من تصوراته المحدودة في الإحاطة
بخلقة الإنسان والطبيعة ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)[4]،
قد أخفقت في رسم طريق الخلاص، وقد توافرت للنظرية المادية الظروف
والأسباب والزمن الكافي، ومارس أصحابها كل ما يحلو لهم على المستوى
الاجتماعي والاقتصادي والعمراني والسلوكي ولكنهم عادوا إلى المربع
الأول منهكين متعبين يبحثون عن السعادة الحقيقة، حيث توهموا وجودها في
نظرياتهم.
كما وأخفقت النظريات البشرية في إيجاد القدوة الصالحة المطبّقة للأفكار
بنجاح وثقة.
بينما نلاحظ التشريع الإلهي المحيط بالإنسان والبيئة والطبيعة وهو
الخالق الكريم، يوضح طريق النجاة بإتباع الهدى، وهنا تكمن عظمة الإمام
علي عليه السلام حيث آمن بما جاء به الوحي على الحبيب المصطفى صلى الله
عليه وآله بشكلٍ استوعب فيه أسس الكمال العقدي الإيماني حتى جسّد
الإيمان كله، لما برز لقتال عمرو بن عبد ود العامري في واقعة الخندق (
برز الإيمان كله إلى الشرك كله)، كما أدى تطبيقاً جمال السلوك في
الميدان، حتى أصبح حبّه عنوان صحيفة المؤمن كما قال صلى الله عليه وآله:
( عنوان صحيفة المؤمن حب علي بن أبي طالب)، أصبح ميزان الحق ( علي مع
الحق والحق مع علي)، ( يا علي حربك حربي وسلمك سلمي)، أصبح معيار
الإيمان ( يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق).
فكانت حركته عن تجسد روح الوحي، وسلوكه جوهر القرآن وتعامله امتداد
السنة النبوية ومواقفه المتنوعة معجزة الوعي، وتوفيق الأداء، ومنهج
الحل لأزمة الحياة الاقتصادية.
فهو الذي طبق الشريعة السمحاء في ظروف تراجعت فيها نسبة الثقة بالإسلام
وتوجّه الناس نحو الدنيا والمال والسلطة، هنا تكمن قوة شخصية الإمام
عليه السلام.
وهنا نحن جميعاً مدعوون للدخول إلى مدرسة علي باب مدينة علم رسول الله
صلى الله عليه وآله ( أما مدينة العلم وعلي بابها)، لغرض الاستلهام من
روح الإمام وعزمه وسلوكه وعطائه وشجاعته، حيث كانت حياته وسلوكه
وإدارته تنطلق من القرآن والسنة النبوية وعمله واجتهاده ووعيه، فهو
القدوة العظمى بعد رسول الله صلى الله عليه وآله للحياة وما زالت
تعاليمه الإنقاذية تستصرخ الواعين في الأمة، لتستجيب البشرية التي تدق
جرس الإنذار من عواقب الطغيان والتمادي في الانحراف.
يا
حجة الله يا رمز الهدى علماً في ساحة الخير دوماً تنشر العبقا
إسلامنا اليوم آمالٌ تناشده حال الشعوب تعيش القهر
والقلقا
كهف السلام ورمز النصر رائده كرارنا الحقُّ والقرآن وما افترقا
سر
فالشعوب جهاد طامح لعلا وأعط الجياع نعيماً وافراً ألقا
تلك القلوب تنادي القيد شكوتها ترجو سلاماً بروح العدل ملتصقا
أمدد يديك إلينا يا علي فما للدهر دونك ردّ الظلم مترهقا
لقد كان همّ الإمام علي عليه السلام أن يبث الوعي الإيماني في ذات
الإنسان لينجح في امتحانه الشخصي، فلذلك انصبت اهتمامات الإمام في بناء
النفس حيث يقول: ( أفضل الأعمال ما أكرهت نفسك عليه)[5]،
( وكفى أدباً لنفسك تجنبك ما كرهته لغيرك)[6]،
( والله إن إمرءً يمكّن عدوَّه من نفسه ... لعظم عجزه)[7]،
( إياك والإعجاب بنفسك ... وحب الإطراء فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان من
نفسه)[8].
كان هم الإمام أن تجتمع الأمة تحت راية الإسلام وأن يكون القانون
الإسلامي هو سيد الموقف في بناء الحياة، فالعدل والمساواة في التوزيع
والعطاء من هموم الإمام فيقول: ( لو تمثل لي الفقر رجلاً لقتلته) (
الفقر الموت الأكبر).
كان همّه عليه السلام أن يحفظ حقوق الأمة خصوصاً الضعفاء والفقراء بل
يحفظ حقوق أهل الذمة ويحترم حقوق الإنسان فيقول ( الله الله في الطبقة
السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤس و
وتعهّد أهل اليتيم وذوي القربى في ).
كان همّه أن ينظر الإنسان إلى واقعه بوعي وإدراك ليعيش حالته ويتحرك في
حركة إنمائية في الحياة الدنيوية التي توصله إلى سعادة الدنيا والآخرة.
كان همّه أن يعي الأغنياء مسؤولياتهم في الحياة وبالمقابل الفقراء أيضاً،
لتكون الأمة متماسكة مع مبدئها صادقة في أدائها فيقول: ( ما جاع فقير
إلا بما متّع به غني)، (ما رأيت نقد موفورة إلا وإلى جانبها حق مضيّع).
والآن لنتعرف على معنى الفقراء بالشريعة الإسلامية.
يؤكد الفقهاء على أن الفقير هو الذي تقصر أمواله عن مؤونة سنته
والمؤونة تعني المصرف لنفسه وذوي نفقته الواجبة يعني عياله، أكلاً
ولبساً ومسكناً وسفراً وتداوياً للمرض وهدايا حسب شأنيته ومكانته
الاجتماعية والعلمية.
فالفقير هو العاجز عن تلبية حاجيات المعيشة لنفسه ولعياله إلى درجة
وكأنها كسرت فقرات ظهره فيلجأ إلى طلب العون والمساعدة من الآخرين.
والفقر آفة اجتماعية يؤدي إلى انتشار الظلم الاجتماعي وتزداد نسبة
الفساد السلوكي والأخلاقي وتتفشى الأمية وحالات الكسل.
يقول الإمام عليه السلام: ( الفقر في الوطن غربة) ( الفقر يخرس الفطِن،
والفقير غريب في بلده) ( ما جمع مال إلا من شحّ أو حرام).
الإيمان بالله سبحانه الرازق للعباد، وطريق الوقاية من الفقر:
يخطأ من يظن أن الطبيعة ضعف عطاءها، وتعثر رزق العباد منها، لأن الله
سبحانه خلق العباد وتكفل رزقهم وعطاءهم، يقول الإمام عليه السلام: (
وهو المنّان بفوائد النعم وعوائد المزيد والقِسَم، عياله الخلائق، ضمن
أرزاقهم وقدّر أقواتهم) حتى يقول عليه السلام ( ولو وهب ما تنفسّت عنه
معادن الجبال وضحكت عنه أصداف البحار فِلِزّ اللجين والعِقيان ونُثارةِ
الدُّر وحصيد المرجان ما أثر ذلك في جوده ولا أنفذ سعة ما عنده وما كان
عنده من ذخائر الأنعام ما لم تنفده مطالب الأنام لأنه الجواد الذي لا
يغيضه سؤال السائلين ولا يبخله إلحاح الملحين).
فالله عز وجل يطمئن الجميع بالضمان الطبيعي للعطاء وإن ظهرت هنالك حالة
من عدم وضوح الضمان أو سيادة القلق من هذه الناحية، أو حصول الفقر
والبؤس جرّاء ضعف عطاء الطبيعة إنما يعود ذلك إلى المظالم الحيائية
التي تبدأ من الإنسان نفسه الذين تعطل طاقاته الإنتاجية والاستثمارية
للكسل والجهل.
لذلك يقول الإمام عليه السلام: ( من دام كسله خال أمله وساء عمله) ( إن
الأشياء لما ازدوجت ازدوج الكسل والعجز فنتجا بينهما الفقر) ( أشرف
الغنى ترك المنى).
وقال عليه السلام: ( من وجد ماءً وتراباً ثم افتقر فأبعده الله، من
أحيا أرضاً ميتةً للمسلمين فليعمرها وليؤد خراجها).
ويضع الإمام تعليمات لغرض الوقاية من الفقر، يقول الإمام عليه السلام:
( لا ينبغي للعبد أن يثق بخصلتين: العافية والغنى، بينا تراه معافى إذ
سقم، وبينا تراه غنياً إذ افتقر).
هذه الحالة وإن كانت أسبابها ولكن بالمحصلة العامة نحن نؤمن بأن الدنيا
دار ابتلاء واختبار وامتحان، فقد ابتلى المؤمن في رزقه أو صحته أو
بعائلته أو بقومه، والابتلاء سنة إلهية جرت وتجري على العباد في دار
الدنيا ليتبين المؤمن الملتزم عن غيره، يقول الله سبحانه وتعالى: (
الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا أمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا
الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين)[9].
ومن مظاهر الابتلاء والافتتان الفقر والحرمان، وهذه المسألة بالذات
تتعلق بالجانب العقدي لدى المؤمنين حيث أننا نؤمن بوحدانية الخالق
الكريم ونؤمن بعدله ومن جملة مظاهر العدل الإلهي توزيع الأرزاق مالاً
وصحةً وأولاداً وعوائد أرباح وتنمية الإنتاج، فلو تتبعنا هذه المسألة
المبدئية بين شعوب الأرض، أو داخل الشعب الواحد والبلد الواحد، فطفل
يولد في دلال وغنى وجمال وبحبوحة تامة وكما يقال ( يولد وفي فمه ملعقة
من ذهب)، وآخر يولد ويفتح عينيه في البؤس والحرمان والمرض والضياع،
فأين المساواة والعدالة، وأقرب إجابة مطمئنة وداعمة لقوة الإيمان تتلخص
تقوية إيماننا بالاختبار والابتلاء في المسألة الاقتصادية، يقول الله
سبحانه: ( والله فضّل بعضكم على بعض في الرزق)[10]،
ومن ثم نؤمن بأن الدنيا دار امتحان يتحدد مصير الآخرة من خلالها،
وبصراحة ووضوح لا يمكن استيعاب مبدأ العدل الإلهي خصوصاً في توزيع
الأرزاق مالاً وصحةً، علماً، أولاداً إلا أن نعي معنى الحياة في
الإسلام، والحياة في الإسلام لا تعني الدنيا فقط وإنما الدنيا والآخرة
معاً يدلان على معنى الحياة بل أكثر ( وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو
كانوا يعلمون)[11].
ويلخّص هذا المعنى الدقيق لمبدأ العدالة الإلهية قول الرسول المصطفى
لابنته فاطمة سيدة نساء العالمين حينما دخل إلى بيتها ورآها تطحن
بالرحى وقد محلت يداها من كثرة الطحن، دمعت عيناه وقال: ( بنيّ فاطمة
تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة).
لذلك للصابرين الأجر الكبير عند الله، يقول الإمام علي عليه السلام: (
إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن حزنت جرى عليك القدر وأنت
مأزور)[12] ( إن صبرت
صبر الأكارم، وإلا سلوت سلوّ البهائم)[13]،
والمتقون الصابرون يقول عنهم عليه السلام: ( صبروا أياماً قصيرة
أعقبتهم راحة طويلة، تجارة مربحة يسّرها لهم ربهم... فهم والجنة كمن قد
رآها فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذّبون).
والصبر هنا لا يعني الكسل والجمود، وإنما يعني النشاط والجد والتعب
لتطوير الحالة مع إمكانية عدم النجاح من باب الاختبار الإلهي فلابدّ من
الصبر وسيجزي الله الصابرين والشاكرين.
ولغرض الوقاية من هذه الآفة المدمّرة، يوجّه الإمام المؤمنين إلى
الالتزام بالواجبات على المستوى العبادي والسلوكي، وإلى إدامة
الاستغفار والتوبة ودفع الصدقات والتوسل والدعاء، والسعي لتحقيق رضا
الوالدين واحترام الجار، وأداء العبادة والحج بالخصوص.
يقول الإمام عليه السلام: ( الاستغفار سبباً لدرور الرزق) ( حج البيت
واعتماره فإنهما ينفيا الفقر ويرحضان الذنب).
وبالدعاء يقول عليه السلام: ( اللهم انشر علينا غيثك وبركتك ورزقك
ورحمتك).
ويقول عليه السلام: ( استنزلوا الرزق بالصدقة) ( إذا أملقتم فتاجروا
الله بالصدقة).
وللإمام عدة توجيهات سلوكية على المستوى الاجتماعي لغرض الوقاية من
الفقر، يقول عليه السلام: ( ترك نسج العنكبوت في البيت يورث الفقر،
والأكل على الجنابة يورث الفقر، وترك القمامة في البيت يورث الفقر،
واليمين الفاجرة يورث الفقر، والزنا يورث الفقر، وإظهار الحرص يورث
الفقر، والنوم بين العشاءين يورث الفقر، وترك التقدير في المعيشة يورث
الفقر، وقطيعة الرحم يورث الفقر، واعتياد الكذب يورث الفقر، وكثرة
الاستماع إلى الغناء يورث الفقر، وردّ السائل الذكر بالليل يورث الفقر،
ثم قال عليه السلام: ألا أنبئكم بعد ذلك بما يزيد في الرزق، قالوا: بلى
يا أمير المؤمنين.
فقال عليه السلام: الجمع بين الصلاتين يزيد في الرزق، والتعقيب بعد
الغداة وبعد العصر يزيد في الرزق، وصلة الرحم تزيد في الرزق، وكسح
الفنا ( الساحة أمام البيت أو المحل) يزيد في الرزق، ومواساة الأخ في
الله عز وجل يزيد في الرزق، البكور في طلب الرزق يزيد في الرزق،
والاستغفار يزيد في الرزق، واستعمال الأمانة.. وقول الحق.. وإجابة
المؤمن.. وترك الكلام في الخلاء.. وترك الحرص.. وشكر المنعم.. واجتناب
اليمين الكاذبة.. والوضوء قبل الطعام.. وأكل ما يسقط من الخوان.. ومن
سبّح الله كل يوم ثلاثين مرة دفع الله عز وجل عنه سبعين نوعاً من
البلاء أيسرها الفقر).
ولاستمرار الغنى والتخلص من الفقر، أن يتوجه العبد إلى ربّه بالدعاء،
فقد قال عليه السلام: ( اللهم انشر علينا غيثك وبركتك ورزقك ورحمتك،
اللهم ... فاسترزق طالبي رزقك).
حديث المعالجة في ثلاثة اتجاهات:
أولاً: المعالجة الإيمانية الأخلاقية.
ثانياً: المعالجة النفسية تربوياً.
ثالثاً: المعالجة الميدانية لانتشال الأمة من الكسل والفقر والبطالة
والحرمان.
المعالجة:
أولاً: الأخلاقية:
يطمئن الإمام علي عليه السلام العباد بل كل المخلوقين بأن أرزاقهم
محفوظة ومخصصة، وهذا لا يعني ترك السعي وإنما ليدفع القلق النفسي الذي
يضغط على الإنسان لكي يلهث وراء التحصيل المادي دون التغذية الروحية
وطلب العلم والصعود في درجات التقوى والتقرب إلى الله سبحانه بالعبادة
والعمل الصالح، لذلك يقول لكميل بن زياد: ( يا كميل إن هذه القلوب
أوعية فخيرها أوعاها، فأحفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة فعالم رباني،
ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج ورعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح لم
يستضيؤوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، يا كميل العلم خير من
المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة والعلم يزكو
على الإنفاق، وصنيع المال يزول بزواله..)[14].
ويقول في وصيةٍ منه لولده محمد بن الحنفية: ( يا بني الرزق رزقان، رزق
تطلبه ورزق يطلبك فإن لم تأته أتاك، فلا تحمل همّ سنتك على همّ يومك،
وكفاك كلّ يوم ما هو فيه، فإن تكن السنة من عمرك فإن الله عز وجل
سيؤتيك في كل غدٍ جديد ما قسم لك، وإن لم تكن السنة من عمرك فما تصنع
بغمٍّ وهمٍّ ما ليس لك؟ واعلم أنه لن يسبقك إلى رزقك طالب ولن يغلبك
عليه غالب ولن يحتجب عنك ما قدّر لك..).
وبذلك يدفع المتلقي لتعاليمه بالتمسك بالقناعة والرضا بل ليزهد عن هذه
الدنيا حتى يبقى متماسكاً مع أخلاقه بين الخوف والرجاء ما دامت الدنيا
دار ابتلاء فيشكر عند النعمة ويصبر عند الابتلاء بالفقر، وما يدريك لعل
الواحدَ منا يتحوّل به الدور من الفقر إلى الغنى وبالعكس، يقول الإمام
عليه السلام: ( المؤمن عند الهزاهز وقور وعند النعماء شكور وعند البلاء
صبور)، والصابرون لهم أجرهم.
فيوصي الإمام طبقة الأغنياء محدداً واجباتهم الأخلاقية أمام الفقراء
والمحتاجين، ويوصي طبقة المعدمين والفقراء بالصبر والتحمّل والدعاء
والاستغفار حتى يرضى ويقنع، وذلك ليربح الامتحان في دار الدنيا وهو
سليم السريرة، نقي الفطرة، صادق الإيمان.
من
هنا ترتسم السعادة الحقيقة في البيوت القائمة على العَفاف والكفاف،
الذين يعيشون في رحاب الصدق والتوكل على الله، بينما تفتقد السعادة من
بيوت الأثرياء واللاهثين وراء النمو المادي على حساب النمو الروحي
خصوصاً لو انزلق الاتجاه التحصيلي نحو تلويث قيم الفطرة الإنسانية
وزعزعة الثقة بالإيمان عبر الغش والكذب والخداع في المعاملات.
وكذلك يفتح الإمام عليه السلام للإنسان المبتلى بالفقر بالتوجه إلى
الخالق المدبر بكل يقين وثقة ليحل له أزمته الاقتصادية فهو المدبر
للأمور والمسبب للأسباب، وذلك عبر قراءة القرآن الكريم، وكثرة
الاستغفار والدعاء لطلب الرزق الحلال الطيب الطاهر، فليطرق باب الله
بوسائل القربى فقد ورد في مهج الدعوات لابن طاووس عن أمير المؤمنين علي
عليه السلام أنه قال: ( من تعذّر عليه رزقه وتغلقت عليه مذاهب المطالب
في معاشه ثم كتب له هذا الكلام في رقّ ظبي أو قطعة من أدم وعلقه عليه
أو جعله في بعض ثيابه التي يلبسها فلم يفارقه، وسّع الله رزقه وفتح
عليه أبواب المطالب في معاشه من حيث لا يحتسب وهو: اللهم لا طاقة لفلان
بن فلان بالجهد، ولا صبر له على البلاء ولا قوة له على الفقر والفاقة،
اللهم فصلّ على محمد وآل محمد ولا تحظر فلان بن فلان رزقك ولا تقتّر
عليه سعة ما عندك ولا تحرمه فضلك.... ولا تكله إلى خلقِك ولا إلى نفسه
فيعجز عنها ويضعف عن القيام فيما يصلحه ويصلح ما قبله.. ( ومن يتق الله
يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب)[15].
ومن زاوية أخرى يقرّبنا إلى حقيقة إيمانية قد تكون منسية في خضم الحياة
والصراع من أجل الثراء والنماء، ليذكرنا بأن زيادة الأموال ليست هدفاً
سامياً إن لم تدخل في إطار العمل الصالح، ويقرّب هذه الحقيقة من تجارب
النبي المصطفى صلى الله عليه وآله حيث يقول: ( ولقد كان في رسول الله
صلى الله عليه وآله ما يدلك على مساوئ الدنيا وعيوبها، إذ جاعَ فيها مع
خاصته، وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته، فلينظره ناظرٌ بعقله، أكرم
الله محمداً بذلك أم أهانه! فإن قال: أهانه فقد كذب واللهِ العظيم
بالإفك العظيم، وإن قال أكرمه فليعلم أن الله قد أهان غيره حيث بسط له
الدنيا له، وزواها عن أقرب الناس منه).
الاتجاه الثاني: المعالجة النفسية تربوياً.
ما
أروع تربية الإمام للنفس الإنسانية التي يجعلها تحت إرادته يصوغها
صياغة دقيقة على أساس الفضيلة وحب الآخرين عبر الطاعة المخلصة، وهذه
الحالة تمنح المؤمن قدرة هائلة على استيعاب صدمة الدهر بالفقر والحرمان
ومواصلة التحدي لمشكلات الحياة.
يقول الإمام عليه السلام: ( ذلّل نفسك بالطاعة وحلّها بالقناعة وخفضن
في الطلب وأجمل في المكتسب) ( العفاف زينة الفقر، والشكر زينة الغنى) (
لا ملك أذهب للفاقة من الرضا بالقنوع).
ثم
يتناول نهاية هذه الحياة بمقاربة ذكية، لاستلهام الدرس المطلوب فيقول
عليه السلام: ( من أكثر من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير)، فهو عليه
السلام يقرّب فراق نعيم الدنيا والنزول إلى مدارج النهاية بدءاً من
أهوال القبر، وبالفعل هو الموت النهاية الحتمية للجميع وكلٌّ في ساعته،
وفعلاً ما أهول ذكر الموت وأقسى وقعه في النفس، ولكن ما أجمل وصف عليٍّ
لتلك الساعة ولذلك المنزل المرتقب، فكلماته تمسك أعماق العاطفة إنه ليس
خيالاً وإنما يفسّر واقعاً مهيباً يقترب منا بين لحظة وأخرى أو قل بين
يوم وآخر.
فإنك تقف على لوحة أدبية تجبرك على التوقف لتفكر بهذا المصير وما تقدم
لتلك الحياة بكل جديّة، ويعبّر عن لسان الحال فيقول: ( آهٍ آهٍ من قلة
الزاد وطول الطريق وبعد السفر وعظيم المورد)[16]،
فنحن نقترب من منزل الوحشة، لتشتعل العاطفة ويلتهب الإحساس ويتوجه
العقل ليستنهض الهمم، ويتوثب المتبصر، ولتنفجر العيون دموعاً والقلوب
آهاتٍ والحناجر نياحة على ذلك المحتوم المرتقب فهل قدّمنا لحياتنا تلك
(والدنيا دار ممر والآخرة دار مقر)، فقد قال بعد تلاوته للآية المباركة
( ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر) أفبمصارع آبائهم يفخرون أم بعديد
الهلكى يتكاثرون! ترتجعون منهم أجساداً خوت وحركاتٍ سكنت ولئن يكونوا
عِبَراً أحق من أن يكونوا مفتخراً... أولئكم سَلَفَ غايتكم، وفرّاط
مناهلكم، الذين كانت لهم مقاوم العز وحلبات الفخر، ملوكاً وسُوَقا،
سلكوا بطون البرزخ سبيلاً، سلطت الأرض عليهم غيه، فأكلت من لحومهم
وشربت من دمائهم فأصبحوا في فجوات قبورهم جماداً لا ينمون وضماراً لا
يوجدون... عميت أخبارهم وصمّت ديارهم ولكنهم شقوا كأساً بدّلتهم بالنطق
خرساً وبالسمع صمماً وبالحركات سكوناً، فكأنهم في ارتجال الصفة صرعى
سبات، حيرانٌ لا يتآنسون وأحبّاء لا يتزاورون بَليت بينهم عرى التعارف
وانقطعت منهم أرباب الإخاء فكلهم وحيد وهم جميع وبجانب الهجر وهم أخلاء،
لا يتعارفون لليل صباحاً ولا لنهارٍ مساءا، فلو كانوا ينطقون فقالوا:
كلحت الوجوه النواضر، وخوت الأجسام النواعم، ولبسنا أهدام البلى
وتوارثنا الوحشة.. فانمحت محاسن أجسادنا وتنكرت معارف صورنا وطالت في
مساكن الوحشة إقامتنا..
المعالجة الميدانية:
يخطئ من يظن الإسلام دين يفضل حالة الفقر على الغنى، ويحبذ المسكنة
والتصوف والرهبنة وذلك باعتبار الثروة المالية كلما زادت زادت
المسؤولية، والحقيقة إن الإسلام هو دين الحياة والانماء والتطور، وما
ورد في شأن الزهد والصبر والقناعة بالرزق مهما كان قليلاً لتخليص
الإنسان من مرض اللهاث المادي الذي يدفع صاحبه لاكتساب المال بأية
ذريعة وطريقة، فالإسلام دين الاتزان بين الدنيا والآخرة، فالمؤمن يحصل
على منافع وملذات الدنيا بالشكل الطبيعي والمشروع ويجعل دنياه وسيلة
للفوز في الآخرة، يقول الإمام عليه السلام في رسالته لواليه على مصر (
محمد بن أبي بكر) مبيناً حيوية الشريعة باتجاه البناء والعمران فيقول:
( واعلموا عباد الله أن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة،
فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركوا أهل الدنيا في آخرتهم،
سكنوا الدنيا بأفضل ما سُكنت وأكلوها بأفضل ما أُكلت.. أصابوا لذة زهد
الدنيا في دنياهم، وتيقنوا أنهم جيران الله غداً في آخرتهم).
إنها الطريقة المتوازنة ما بين الجد والنشاط والبناء والعمران للدنيا
كأنك تعيش أبداً وما بين الجد والنشاط والعمل الصالح لبناء الآخرة كأنك
تموت غدا.
الرسول القدوة الحسنة: ( ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة).
يقول الإمام علي عليه السلام: ( فتأس بنبيك الأطيب الأطهر صلى الله
عليه وآله فإن فيه أسوةً لمن تأسّى، وعزاءً لمن تعزّى، وأحب العبد إلى
الله المتأسّي بنبيه.. ولقد كان صلى الله عليه وآله يأكل على الأرض
ويجلس جلسة العبد ويخصف بيده نعله ويرقع بيده ثوبه..)
إن
الإمام عليه السلام في معالجته الميدانية يبدأ من الفرد والمجتمع
لينتهي إلى شأن الإداري في حياة المسلمين سواءً من بيت المال بوجود
الدولة الإسلامية أو المرجعية الدينية التي تجتمع لديها الحقوق
المالية.
أولاً: الرقابة الذاتية الدائمة- وهذا الأمر يعدّ من معجزات الإسلام
حيث ينصب الإنسان في ذاته قاضياً ومحاسباً ورقيباً ليضبط سلوكه وموارده
بالطريقة المشروعة، ولسنا بحاجة حينذاك إلى أجهزة رقابة، يقول الإمام
عليه السلام في خطبة له: ( واعلموا أنه من لم يعن على نفسه حتى يكون
منها واعظ ولا زاجر لم يكن له من غيرها زاجر ولا واعظ.. اتقوا الله في
عباده وبلاده، فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم).
ويأتي إلى المسؤول ليخاطبه: ( واضرب بطرفك هل تبصر إلا فقيراً يكابد
فقراً أو غنياً يدل نعمة الله كفرا)،
ثم
يحمّل الأمة الخيّرة مسؤوليتها أمام خطر الفقر الذي يكاد يكون كفراً
فيقول: ( أين خياركم وصلحاءكم..).
وإذا كان المسؤول له موقع إداري كالوالي فيخاطبه بطريقة أخرى حيث يقول:
( وانظر إلى ما اجتمع عندك من مال الله فاصرفه إلى من قِبلك (عنك) من
ذوي العيال والحاجة).
وهكذا يفتح آفاق الخير أمام الأغنياء ويحملهم مسؤولية انزلاق المجتمع
خلقياً من بوابة الفقر وذلك بغرض معادلة جديرة بالاهتمام وهي معادلة
اجتماعية خطيرة، فكما أن الغني بحاجة إلى حماية ماله وعرضه ومصانعه
وأعماله، والحماية تأتي حينما يجعل ماله في طريق حماية ماله وعرضه من
الحسد والحقد والاعتداء، نعم إنه غير مشروع ولكنه يمارس أحياناً لذلك
يقول الإمام عليه السلام: ( خير أموالك ما وقى عرضك) ( خير الأمور ما
أدى إلى الخلاص) ( خير الناس من تحمّل مؤونة الناس).
ويقول انطلاقاً من مبدأ التكافل الاجتماعي لترقية الفقير وانتشاله من
وضعه: ( إن الله سبحانه فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع
فقير إلا بما متّع به غني، والله تعالى سائلهم عن ذلك).
(
الزكاة، صرف ثمرات الأرض وغير ذلك إلى أهل المسكنة والفقر) ويبين سبيل
المعروف بقوله عليه السلام: ( فمن آتاه الله مالاً فليصل به القرابة،
وليحسن منه الضيافة، وليفك به الأسير والعاني، وليعط منه الفقير
والغارم، وليصبّر نفسه على الحقوق والنوائب ابتغاء الثواب، فإن فوزاً
بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا ودرك فضائل الآخرة إن شاء الله).
ويقول عليه السلام: ( من كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف والتنفيس
عن المكروب).
ثانياً: المسألة الإدارية:
الإسلام دين التوزيع العادل، دين الضمان الاجتماعي والتكافل الاجتماعي
واستيعاب أزمات الحياة الإنسانية عبر منهجية الأخوة والمحبة والمودة
للآخرين ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
إن
مشكلة الفقر بغضّ النظر على حالات الظلم والاستبداد وهيمنة أصحاب رؤوس
الأموال، وبغض النظر أيضاً عن حالات الكسل والعجز وضعف الهمة، يحمّل
الإمام الأمة والدولة، التاجر والغني وبيت المال مسؤولية المعالجة لهذه
الأزمة.
فالإمام يتفقد الضعفاء والفقراء والمحتاجين ليجعل لهم النصيب المقبول
من الرزق ليضمنوا شرفهم وكرامتهم.
والإمام يحاسب الولاة وحواشي المسؤول ويراقب أسعار السوق ويمنع
الاحتكار والغلاء الفاحش، ويشجع القرض وفتح قنوات الرزق لأجل الاكتساب،
ويقدم شواهد عديدة من حياة الأنبياء ليفجر الإنسان طاقاته الخيرة في
العمل والخدمة.
يقول الإمام عن النبي داوود صاحب المزامير: ( فلقد كان يعمل سفائف
الخوص بيده، ويقول لجلسائه: أيكم يكفيني بيعها ويأكل قرص الشعير من
ثمنها... وإن شئت قلت في عيسى بن مريم عليه السلام فلقد كان يتوسّد
الحجر، ويلبس الخشن... وكان أدامُه الجوع وسراجه بالليل القمر، ..
دابته رجلاه وخادمه يداه!)[17].
ويستنهض الهمم حينما يذكر من عالم الحيوان من يدأب على تحصيل رزقه
فيذكر النملة مثلاً بقوله: ( انظروا إلى النملة في صِغَرِ جثتها،
ولطافةِ هيئتها، كيف دبّتْ على أرضها، وصبّتْ على رزقها، تنقل الحبة
إلى جُحْرها وتُعدّها في مستقرّها، تجمعُ في حرّها لبردِها لا يغفلُها
المنانُ ولا يحرمُها الديان).
بيت المال الضمان الاجتماعي:
الدولة في النظام الإسلامي أو الحاكم الشرعي في عصر غياب الدولة، فيكون
لديه من الفرائض المالية والحقوق الشرعية والكفارات.. ما يصلح أن يعالج
به حالة الفقر.
يقول الإمام عليه السلام: ( ولا ينبغي لي أن أدع الجند والمصر وبيت
المال وجباية الأرض والتوزيع العادل بين المسلمين هو سبيل الصلاح).
فالمسؤولية على الإمام والوالي والحاكم الشرعي، يقول عليه السلام: (من
طلب هذا الرزق من حلّهِ ليعودَ به على نفسه وعياله كان كالمجاهد في
سبيل الله، فإن غلب عليه ذلك فليستَدن على الله وعلى رسوله ما يقوت به
عيالَه فإنْ مات ولم يقضِهِ كان على الإمام قضاؤه.. ( إنما الصدقات
للفقراء..) فهو فقير مسكين مغرم).
ويعدّ الإمام في عالم الضمان الاجتماعي لحقوق الفقراء، المؤسس والراعي
لهذا المنهج الإنساني، والقصة المعروفة التي تذكره سيرته عليه السلام
أنه مرّ بشيخ مكفوف كبير يسأل الناس [ يطلب المعونة المالية] فقال أمير
المؤمنين: ما هذا؟
فقيل له: إنه نصراني.
فقال عليه السلام: استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه!! أنفقوا عليه
من بيت المال.
فقرر له راتباً تقاعدياً يحفظ فيه كرامته وشرفه وعياله، لاحظوا لم يكن
موظفاً حكومياً وإنما رجل عامل كاسب لكنه عجز وكبر يستحق التقاعد من
بيت المال بغض النظر عن دينه وقوميته، إنه الإنسان، لذلك كتب جورج
جرداق كتابه تحت اسم ( الإمام علي صوت العدالة الإنسانية).
ثم
يوصي بالفقراء كما في عهده للاشتر: (ثم الله الله في الطبقة السفلى من
الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزّمنى فإن في
هذه الطبقة قانعاً ومعتراً، واحفظ لله ما استحفظك من حقه فيهم واجعل
لهم قسْماً من بيت مالك، وقسماً من غلات صوافي الإسلام في كل بلد..
وتعهد أهل اليتيم وذوي الرقّة في السن ممّن لا حيلة له، ولا ينصب
للمسألة نفسه.. [ حتى يقول] فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله
يقول في غير موطن ( لن تقدّسَ أمةٌ لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي).
منع الاحتكار وارتفاع أسعار السوق:
يقول الإمام عليه السلام: (وليكن البيعُ بيعاً سمحاً، بموازين عدل،
وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع)، فالإنصاف والتراضي ينمي
المال وهذا ما نصطلح به بالبركة.
ويقول للأشتر: (واعلم مع ذلك أن في كثيرٍ منهم ( التجار) ضيقاً فاحشاً
وشحاً قبيحاً واحتكاراً للمنافع... فامنع من الاحتكار فإن رسول الله
صلى الله عليه وآله منع منه... فمن قارف حِكْرةً بعد نهيك إيّاه فنكّل
به وعاقبه في غير إسراف).
ما
أعظمك يا أمير المؤمنين، إنه يعرف أن بعض المحتكرين الاستغلاليين
والمصلحيين لا يرتدعون عن إجراء النهي القانوني إلا بتوقع العقوبة عند
المخالفة فالإمام يطلق يد الوالي بتوجيه العقوبة ولكن من دون إسراف،
إنه المحاسب الدقيق والمعاقب الرؤوف.. ما أعظمك يا سيدي.
نعم هو ذا الإنسان لا يرتدع أحياناً وهو يعيش سكرة حب الدنيا وجمع
المال إلا بالعقوبة (ومن أمن العقوبة أساء الأدب) كما قيل.
بينما البركة والنماء يجعلها الخالق الرازق في التعاطي العادل فيقول
عليه السلام للتجار: ( يا معشر التجار: خذوا الحقَّ وأعطوا الحقّ
تسلَموا ولا تردوا قليل الحقِّ فتُحرموا كثيره، ما مُنع من حقٍّ إلا
ذهبت في باطلٍ أضعافه).
بينما تأتي الرقابة على السوق والأسعار لحماية الفقراء والضعفاء، وإن
التعاطي العادل من دون ظلم يمنح البركة والنماء من الخالق الرازق، يقول
العلامة باقر شريف القرشي: ( الإمام علي عليه السلام أول خليفة في
الإسلام قام بالرقابة على السوق، وكان يتجوّل بين الباعة، ويوصيهم
بتقوى الله تعالى، وينهاهم عن المعصية، ويأمرهم بالاستقامة في
معاملاتهم، وكان يقول: أحسنوا أرخصوا بيعكم على المسلمين فإنه أعظم
للبركة).
وينقل أنه كان يرفع صوته في سوق الإبل قائلاً: ( يا معشر التجار إياكم
واليمين الفاجرة فإنها تنفق السلعة وتمحق البركة).
هذا هو إمامنا قدوة المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، يتحدث
عن شخصه لنستمع إلى حديث علي وهو يصف عليا.
(
والله لقد رقّعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل:
ألا تنبذها عنك؟ فقلت: أُعزب عني، فعند الصباح يَحْمَدُ القومُ السّرى).
ويقول: ( ولو شئت لاهتديتُ الطريق إلى مصفى العسل، ولباب هذا القمح
ونسائج هذا القز [ الحرير]، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي
إلى تخيّر الأطعمة ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، ولا
عهد له في الشبع، أَوَ أبيت مبطاناً وحولي بطونٌ غرثى وأكبادٌ حرّى أو
أكون كما قال الشاعر:
وحسبُك داءً أن تبيت ببطنةٍ وحولك أكبادٌ تحنّ إلى القدِّ
أأقنع من نفسي بأن يقال: هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر،
أو أكون أسوةً لهم في جشوبة العيش، فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات
كالبهيمة المربوطة همها علفها أو المرسلة شغلها تقمُّمها، تكترش من
أعلافها وتلهو عمّا يراد بها...).
يقول الله سبحانه وتعالى: ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا
ترجعون)[18].
في
يوم ميلادك يا علي جئنا لنستلهم دروسك لنبني حاضرنا ونخطط لمستقبلنا
دنياً وآخرة.
لقي رجلٌ أمير المؤمنين عليه السلام وتحته وسق من نوى يعني مكيال يسع
ستين صاعاً، فقال له: ما هذا يا أبا الحسن تحتك؟
فقال: مائة ألف عذق إن شاء الله.
قال الراوي: فغرسه فلم يغادر منه نواةً واحدة.
فلذلك نقرأ في سيرته أنه أعتق ألف مملوك من كدّ يديه.
|