كلمة الأستاذ نسيب الأسعد




السلام عليكم ورحمة الله
السلام منكم ومنا بإذن الله
وإفشاء السلام واجبنا
كما قال ولي الله
بسم الله الرحمن الرحيم
بالباء والنقطة سر البهاء
بالسين سر الوجود والسناء
والميم ملكوت الواجد في العلاء
رحمن الدنيا..... رحيم الآخرة
 

>>> السلم والسلام في حياة الإمام علي (ع)
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله الذي لا معبود سواه، الباسط عدله، الرافع ظلمه، الحمد لله الذي أنعامه لا تحصى وأمره لا يعصى، حمداً يوافي نعمته ويدفع نقمته ويكافي مزيد بره وإحسانه، ما ذكر الذاكرون وغفل الغافلون، حمد الشاكرين العارفين، والصلاة والسلام على كل الأنبياء والمرسلين، والأئمة الصديقين من آل المصطفى الأمين، ولمن تشتاق لهم الجنة في كل حين من الصحابة المكرمين، ذل الشفاه الميامين.
أما بعد:
أيها السادة العلماء النجباء، والحضور الكريم اللألأء!
(الفهم ألف هم، وكل هم يحتاج ألف همة)، استوقفتني هذه العبارة كثيراً، وحركت في كل هم، فشمرت عن ساعدت الجد والعزم، لأخوض خضمّاً عميق الغايات، وأدخل باباً تخفق لتوحيد فيه رايات، وقد شرفت بالدعوة من مركز الفردوس للثقافة والإعلام، جعل الله لأصحابه الفردوس لهم مقام، لحضور هذا المهرجان الكريم حضوراً، والمكرم عنواناً وصاحب ذكر، فوالله إني أصبحت فقيراً لرحمة الله، عاجزاً عن دفع ما أكره إلا بمعونته، ولا أملك نفع ما أرجو إلا بمشيئته، لا فقيراً أفقر مني إليه، ولا غنياً أغنى منه عن عباده.
أخوة الإسلام والإيمان والتوحيد والإحسان!
عندما تفتح القلوب مصاريعها للمحبة والوئام، والعقول مغاليقها للمعرفة، والنفوس معارجها للسلم والسلام، يزهق الباطل ويوأد العنف، وتعلو رايات الحق ترفرف (إن الباطل كان زهوقاً)، فتصمت السيوف خجلة من رهافة المشاعر ومضاء الحقيقة وتحلق حمائم السلم في كل أرض، وتجتمع الدماء الواحدة في محيط الرسالة الواحدة واللغة الواحدة والنبض المشترك بقلب يدعو الله مخلصاً له الولاء، صادقاً في الرجاء فأمّنوا فإنّي في دعاء: (اللهم يا من لا يضيع عنده الدعا، يا غافر الزلات يا سريع الرضا، اجمع بخير شمل الأمة وأزل عنها الغمّة) آمين.
الإسلام والسلام:
لعمري ما من باحث عن الحقيقة، صادق في نهجه والطريقة، إلا ويقر إقرار المؤمن أنّ الأصل في الإسلام هو السلام واللاعنف، والتسليم لله متذكراً قوله جلّ وعلا: (بسم الله الرحمن الرحيم، يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين).
فالإسلام قد نظر إلى الناس كافة نظرة إخاء ومحبة ومساواة جاعلاً علاقة المسلمين بغيرهم قائمة على أسس عقلية كاملة وأخلاقية شاملة تحيط بكل المعاني والأمور، متينة القواعد راسخة الجذور، فقد ساوى الله العلي العظيم بين البشر جميعاً، وجعل التقوى والإيمان مقياس التفاضل بينهم، وما اختلاف ألسنتهم، وافتراق ألوانهم إلا ليكون التعارف والتناصح والتعايش بعيداً عن القتل والظلم والتدمير، وتطاول الكبير على الصغير، يقول عزّ من قائل: (بسم الله الرحمن الرحيم، يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير).
فالإسلام دين السلام والتسامح ضمن الحرية للجميع داخل إطار الأخلاق الفاضلة ومنظور التقوى وعدم الإضرار بالغير، بدءاً بحرية العقيدة والعبادة والأديان، مروراً بحرية الفكر واللسان، وصولاً للعلم والعمل ورفع البنيان، ومن ثم رعاية الجميع مؤمنين وأهل ذمة وحتى الكفار، مستخدماً حسن المعاملة مع الملل المتواجدة في بلاد المسلمين دثاراً يلف عامة الخلق أجمعين، وخير ما يظهر ذلك جلياً في تحية الإسلام التي تقوي الصلات بين القلوب وتزيل الخوف وتزرع الأمن والطمأنينة (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، وهل أعظم وأبلغ وأروع من هكذا تحية تقابل الآخرين بها وتودعهم؟ يقول الرسول الكريم (ص): (أولى الناس بالله وبرسوله من بدأ بالسلام)، ولنا في أهل بيت النبي وعترته الطاهرة أسوة حسنة، أعمالاً تقتدى وأقوالاً تحتذى، فها هو الإمام الصادق (ع) يكشف ما يعنيه اسم الله (السلام) مطالباً الناس باستعماله في معاملاتهم ونهج حياتهم، حيث يقول: (السلام اسم من أسماء الله تعالى أودعه خلقه ليستعملوا معناه في المعاملات والأمانات والإضافات وتصديق مصاحبتهم فيما بينهم وصحة معاشرتهم، فإن أردت أن تضع السلام موضعه وتؤدي معناه فاتق الله وليسلم منك دينك وقلبك وعقلك....... ومن لا يضع السلام موضعه فلا سلام ولا سلم وكان كاذباً في سلامه).
السلم والسلام في الجهاد عند الإمام علي (ع):
مواقف من حياته:
الجهاد وسيلة لنشر دين الله وإعلاء كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) وهو لا يجبر الآخرين على ترك معتقداتهم والدخول في الإسلام، ما لم تكن معتقداتهم شركية إذ (لا إكراه في الدين)، وها هو ذا الإمام علي (ع) داعية السلام والمسالمة، وراعي مبدأ اللاعنف، فرغم شجاعته وفروسيته فهو يمتلك إحساساً بإنسانية الآخرين، وله القدرة على السيطرة على مشاعره المختلفة رغم فظاظة الكثيرين وخشونتهم، حيث يقول: (متى أشفي غيظي إذا غضبت؟ أحين أعجز عن الانتقام فيقال لي: لو صبرت، أم حين أقدر عليه فيقال لي: لو عفوت).
وقد كانت نظرته إلى الناس كافة واضحة المعالم، جلية، فهم إما أخوة لنا في الدين، وإما نظراء لنا في الخلق، ودائماً كانت دعوته للتسامح والصفح عن زلات الآخرين وستر عورات الناس ومصافحة العدو علة ينقلب بنعمة الله أخاً وصديقاً، وإكرام الكرام أياً كان موقفهم ومذهبهم، أو دارت بهم عجلة الأيام، ففي موقفه عند سبي الفرس وإرادة عمر بن الخطاب بيع النساء واستعباد الرجال تتجلى إنسانية الإمام وتسامحه عندما قال لعمر: (... يا عمر! هؤلاء قومٌ قد ألقوا إليكم السلم ورغبوا في الإسلام، ولابدّ أن يكون لي فيهم ذرية، وقد سمعت رسول الله (ص) يقول: أكرموا كريم كل قوم. وأنا أشهد الله وأشهدكم أني أعتقت نصيبي فيهم لوجه الله تعالى).
ويظهر الإمام (ع) بذكائه وفطنته وعمق بصيرته من خلال حرصه على وحدة المسلمين، وعدم زرع الفتنة بين صفوفهم، والفتنة أشد من القتل، فعندما حاول أبو سفيان غرس بذور الفتنة متظاهراً بحبّه ومبايعته للإمام، وهو ــ أبو سفيان ــ من ناصب الإسلام والرسول وآل بيته العداء، وكان من المؤلفة قلوبهم، فقال أمير المؤمنين له كاشفاً خبث نواياه وفساد سريرته: (والله ما اردت بهذا إلا الفتنة، وإنك والله طالما بغيت للإسلام شراً، لا حاجة لنا في نصيحتك)، حيث قبل الإمام أن يكون وزيراً للخلفاء الثلاثة، رغم أحقيته بالخلافة، ولم يكن سكوته ضعفاً ولا تخاذلاً، وإنما إحساساً بالمسؤولية الملقاة على عاتقه، وهو الوصي والإمام، ولم يتوان عن تقديم النصائح وحل الكثير من المشاكل، وما قول عمر بن الخطاب (ر): (لولا علي لهلك عمر) (علي أقضانا) ... وغيرها الكثير إلى خير شاهد على ذلك.
وكان موقف بعض الصحابة مؤيداً للإمام بالخلافة، أمثال: (سلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري، والمقداد بن عمرو، وعمار بن ياسر) الذين كانوا من شيعته الأوائل السابقين إلى الإسلام الذين أحبهم النبي (ص) حبه لعلي، فقد عاشوا مثل الإمام فقراء في الدنيا، ورحلوا عنها ولم يخلفوا وراءهم شيئاً، ناضلوا من أخل العدالة والسلم والتطبيق الصحيح للإسلام وأحكامه، وشكلوا النواة الصلبة لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، الذين قال عنهم النبي (ص) مرة: ( .... إنّ هذا ــ أي علي ــ وشيعته هم الفائزون يوم القيامة)، حيث مضى هؤلاء الصحابة المكرمين يذكّرون الناس بأحاديث الرسول الكثيرة في أخيه ووصيّه: (من كنت مولاه فعلي مولاه) (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي)، إلى غير ذلك مما يطول به الحديث لو تركنا اليراع يسطر والفكر يمطر.
وكان موقف سلمان الفارسي (سلام الله عليه) واضحاً في حادثة السقيفة عندما تم اختيار أبي بكر للخلافة، حيث قال بالفارسية (كرديد ونكرديد)، وفسرها الكثيرون بمعان مختلفة إلا أنها جميعها تتوافق بمضمونٍ واحد وهو: (صنعتم خطأً، وتركتم صواباً أولى وأكثر خيراً)، وهذا الصحابي الجليل الذي قال فيه الإمام علي (ع): ( امرؤٌ منا أهل البيت، من لكم بمثل لقمان الحكيم علم العلم الأول والعلم الآخر، وقرأ الكتاب الأول والكتاب الآخر وكان بحراً لا ينزف).
وقد كرّس الإمام (ع) نفسه وأولاده الذين كرّسوا من بعدهم تلامذتهم لنشر تعاليم الإسلام الصحيح، وتوضيح ما أغلق على العقول، ويظهر موقف الإمام الحسين (ع) في كربلاء، وهو الغصن النضير من تلك الدوحة الخضراء الطاهرة، يظهر التسامح في فكر آل البيت، والسلم والشعور بالمسؤولية، حيث بكى الحسين على الجيش الذي وقف بوجهه يريد الظلم والبطش، يا لتلك الروح الشفافة ما أنقاها، ويا لتلك النفس الطاهرة ما أسماها! كيف تشفق على قاتلها وتبكي على ظالمها ولما سئل عن سبب بكائه قال: (أبكي على قوم يدخلون النار بسببي) أي بسبب محاربتهم له، وظلمهم إياه.
وكذلك في صفين ورغم الجدالات الكثيرة، كان الإمام (ع) يذّكر معاوية بتقوى الله والعودة عن نهجه الظالم إلى الحق، ولم يترك حجة إلا وسطرها في محاولة إقناعه بوحدة صف المسلمين، وبراءته من دم عثمان ولكن هيهات أن يلين الحجر بالسلسبيل، فمعاوية ماض في موقفه مصمم على الحرب، حيث يقول الإمام علي (ع) في إحدى رسائله لمعاوية: ( وقد دعوت إلى الحرب فدع الناس جانباً واخرج إليّ واعف الفريقين من القتال لتعلم أيّنا المرين على قلبه والمغطّى على بصره...) ولكن معاوية تجابن، وهل سمعتم سادتي عسّالاً أطلس يجابه قسورةً حيدره.
وفي موقف آخر نرى الإمام علي (ع) يخاطب جيشه قبل صفين داعياً إياهم إلى التمهل في مهاجمة الخصم علّه يرجع ويتّقي، وعدم قتل الفارين من الأعداء وضرورة مداواة الجرحى، حيث يقول: ( لا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم فإنكم بحمد الله على حجّ، وترككم إيّاهم حتى يبدؤكم حجّة أخرى لكم عليهم، فإن كانت الهزيمة بإذن الله فلا تقتلوا مدبراً ولا تصيبوا معوراً ولا تجهزوا على جريح)، وكان الإمام وهو المبدوء بالحرب دائماً لا يواجه عدواناً بالسيف حتى يبدأ الوعظ والنصح والإرشاد وطلب السلم والاعتراف بالحق حقناً لدماء المسلمين، فعندما نزل بالبصرة مع جيشه صلى أربع ركعات وعفّر خديّه على التراب وخالط ذلك دموعه، ورفع أبو تراب يديه يدعو ربّه: ( اللهم رب السموات وما أظلّت، والأرض وما أقلّت، ورب العرش العظيم، هذه البصرة وأسألك من خيرها، وأعوذ بك من شرّها، اللهم أنزلنا فيها خير منزل، وأنت خير المنزلين، اللهم إنّ هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي، وبغوا عليّ ونكثوا بيعتي.... اللهم احقن دماء المسلمين). ثم بعث من يناشدهم حقن الدماء لكنهم أبوا إلا الحرب.
ورغم كثرة الحروب التي خاضها الإمام (ع) وبطولته الفذّة وشجاعته العظيمة التي أظهرها إلا أنّ التاريخ لم يسجّل عنه أنّه أشهر سيفه ليروي حقداً أو لينتصر لقضيّ شخصية من أمور هذه الدنيا الفانية، بل كان (ذو الفقار) غضبة لدين الله ودفاعاً عن الحق، يقول (ع): (فوالله ما دُفعت لحرب يوماً إلا وأنا أطمع أن تلحق في طائفة فتهتدي بي وتعشو إلى ضوئي وذلك أحبّ إليّ من أن أقتلها على ضلالها وإن كانت تبوء بآثامها).
ولو نظرنا في كل الحروب التي خاضها الإمام علي (ع) نظرة متفحصة بالأسباب مدققة بالغايات والدوافع لوجدناها ترجع إلى أمرين:
1- ادعاء بعض الأشخاص ما ليس لهم من إمامة وخلافة وتحكّم بأمور المسلمين.
2- أن يمنع من نشر تعاليم الإسلام الصحيح وما هو عليه تحت ظل حكومة لا تساند الحق وتخالفه.
فالحرب لم تكن هدفاً ولا غايةً لمكسب أو مغنم، وإنما التعاون والتعايش والسلم، كرهاً لهذه الحروب التي تجر الأهوال والمآسي على الغالب والمغلوب على حدّ سواء، فكانت دعوته للسلم منعطفاً هاماً إلى الخير في تاريخ العرب الذين تعوّدوا حرب الجاهلية والحميّة والعصبيّة القبليّة وأنكرها الإسلام والنبي.
مقوّمات السلم عند الإمام (ع):
إن السلم الذي عاشه الإمام علي (ع) لم يكن مجرّد نظرية تطرح جزافاً أو شعاراً يلقى مراراً، وإنما كان قناعة ومنهاج حياة، سلم ارتكز على مجموعة مقوّمات منها:
إلقاء الحجّة على الخصم ومناظرته من أجل إرجاعه لجادة الصواب، كما دلّت كثرة الرسائل التي وجهها لمعاوية بغية إقناعه بالرجوع عن غيّه حيث يقول:
(وقد ابتلاني الله بك وابتلاك بي فجعل أحدنا حجّة على الآخر، فعدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن فطلبتني بما لم تجن يدي ولا لساني).
وقبول استجابة العدو للسلم حتى ولو كان هذا العدو قد جنح خداعاً وختلاً، وذلك عملاً بقوله تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم، وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكّل على الله إنه هو السميع العليم، وإن يريدوا أن يخدعوك فإنّ حسبك الله هو الذي أيّك بنصره وبالمؤمنين).
وكذلك من المقومات بذل السلم وإفشاؤه الذي هو جزء من الإيمان في قلبٍ كان فانياً في الله، قلب إنسان أنزل الله سبحانه فيه ما يقارب الثلاثمائة آية في كتابه الكريم، ذلك الإنسان الصادق المتواضع، الزاهد العابد، سرّ الله المصون، وكنزه المكنون الذي تعجز الألباب عن فهم كنهه وإدراك حقيقته الولائية.
الزهد هو السلم الداخلي عند الإمام (ع):
مما لاشك فيه أن الإنسان لا يمكنه أن ينشر السلم ويعلمه الناس ويدافع عن أهدافه ما لم يكن قد عاش السلم داخلاً في نفسه ليشرق سلمه على الناس، ألا وإنّه قد اكتفى من دنياه بطمريه فهلاّ كفانا السندس والديباج ومن طعمه بقرصيه فهل أشبعنا ما لذّ وطاب، ألا وإنّ أغلبنا لا نقدر على ذلك، ولكن لنكن له عوناً بالعفة والسداد والورع والاجتهاد، وهو لم يقده جشعه لتخيّر الأطعمة وامتلاك الأراضي فهل يقودنا الشوق إلى معرفته والسير على نهجه وطريقته وهو الذي ترك الدنيا قناعة مهما أبدت له من زخرفها وبسطت إليه جناح ملذّاتها، فهو الكاره لها طمعاً برضا الله وعفّةً وسلماً داخلياً إن لم نكن كذلك فما جدوى اجتماعنا في هذا الوقت والمكان وهو الذي أراد لنا أن نكون مثله، وإن كنا فطوبى لنا قد سمت أرواحنا وعلت ذواتنا أرهفوا السمع سادتي وأصغوا لقولٍ يمثّل قمة السلم الداخلي والزهد المقترن بالقناعة: (يا دنيا إليك عني، أبي تعرّضت؟ أم بي تشوّقت؟ لا حان حينك هيهات غرّي غيري لا حاجة لي فيك ...).
زبدة القول وبؤرة الضياء:
أيها الحضور الكريم والجمع العميم:
لا أبلغ حجة، ولا أعظم دليلاً من حالة السلم التي عاشها الإمام من حادثة رفعت لطيفه مفارقاً كثيفه، حيث يوصي بعد أن ضربه ابن ملجم يقول:
(النفس بالنفس فإن هلكت فاقتلوه كما قتلني وإن بقيت رأيت رايي فيه، يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون في دماء المسلمين تقولون قُتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلنّ إلاّ قاتلي ... ابصروا ضاربي أطعموه من طعامي واسقوه من شرابي).
ولأنّ أمرهم (آل البيت) صعب مستصعب لا يعي حديثهم إلا صدور أمينة وأحلام رزينة، ولأننا أحببنا سلامة نفسنا، وستر معايبنا، فوجب علينا إقلال كلامنا وإكثار صمتنا، لعلى الفكر يتوقّد، والقلب بأنوارهم يستنير وليسلم الناس من يدنا ولساننا آثرنا الاختصار ــ وقد تهفو النفس للاستزادة ـــ في بحر فضل هذا العظيم الذي لا يغنيه حقه ما قلنا أو سيقال لما احتوى من خصال وفعال، يقول رسول الله (ص):
(إنّ في علي خصالاً لو كانت واحدة فيهنّ في الناس جميعاً لاكتفوا بها فضلاً).
ويقول فيه الشاعر عبد الباقي العمري:
ما فرق الله شيئاً في خليقته من الفضائل إلا عندك اجتمعا
ويقول فيه ميخائيل نعيمة: (لقد كن بطلاً في صفاء بصيرته وطهارة وجدانه وسحر بيانه وعمق إنسانيته، وحرارة إيمانه وسمو دعته ونصرته للمحروم والمظلوم من الحارم والظالم، وتعبّده للحق أينما تجلّى له الحق).
ويقول فيه بولس سلامة:
يهرم الدهر وهو كالصبح باق كل يوم يأتي بفجر جديد
وختاماً:
حياكم الله بالسلام وأحلّكم دار المقام، وجعلكم هداة الأنام، وسبحان العلي العظيم الذي لا ينام، الذي لا يبلغ مدحته القائلون ولا يحصي نعماءه العادون ولا يؤدي حقه المجتهدون، جامع شمل المؤمنين وإله الأولين والآخرين.
وشكراً لكم لحسن الإصغاء وألتمس الدعاء
كلمة نسيب أسعد الأسعد
من محافظة السويداء ـــ المزرعة

 

السيدة الزينب